فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 509

خصائص أسلوبيّة فارقة إلى جانب المعايير السابقة، ويذكر علماء القرآن في هذا أنّ للآيات المكيّة خصائص ليست للآيات المدنية في وقعها ومعانيها. فظروف المخاطبين مختلفة، ففي الفترة المكّية = كان القوم في جاهليّة تعمي وتصمّ، يعبدون الأوثان، ويشركون بالله وينكرون الوحي وو لذا فنجد في مكّي القرآن ألفاظا شديدة القمع على المسامع، تقذف حروفها شرر الوعيد، وألسنة العذاب، ف (كلّا) الرادعة الزاجرة، والصاخّة وو كل هذا نجده في خصائص القرآن المكّي، وحين تكوّنت الجماعة المؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرّه، وامتحنت في عقيدتها بأذى المشركين، فصبرت وهاجرت بدينها مؤثرة ما عند الله على متاع الحياة. وحين تكوّنت هذه الجماعة نرى الآيات المدنيّة طويلة المقاطع، تتناول أحكام الإسلام، وحدوده، وتدعو إلى وهذا هو الطابع العام القرآن المدني = [1] .

ويعلّل علماء القرآن خصيصة طول الآيات المدنيّة إذا قورنت بقصر الآيات المكيّة بانتقال الدعوة من مرحلة الإنذار إلى مرحلة الرسالة، أي من واقع اجتماعي إلى واقع اجتماعي آخر فالإنذار يعتمد على التأثير الذي يعتمد بدوره على لغة ذات أسلوب مركّز وموقّع، وهو أسلوب طاغ في قصار السور بصفة عامّة، وكلّها سور مكيّة، ولكنّ الرسالة من جهة أخرى تخاطب المتلقّي وتنقل إليه محتوى أوسع من مجرّد التأثير، وهي من ثمّ تحتاج لغة مختلفة على مستوى التركيب والبناء. في الرسالة يغلب جانب نقل المعلومات على جانب التأثير، وإن كان لا يلغيه الغاء تاما، وفي الإنذار تكون الأولويّة للتأثير، ويقلّ جانب تدفّق المعلومات.

وإنّ معرفة (المكّي والمدني) و (سبب النزول) مع دراسة النصّ دراسة داخليّة (أسلوب النصّ ومضمونه) تضمن تحليلا دقيقا للخطاب وتجعله قابلا للتمايز، وعدم الخلط بين مناسبة النزول وبين سياق آخر يعاد فيه الاستشهاد بالنص مرة أخرى، فيظنّ الراوي أنّ النصّ نزل سابقا على سببه، ومثال ذلك ما يرويه السيوطي أنّ عمر بن الخطاب

(1) منّاع القطان، مباحث في علوم القرآن ص: (5353) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت