فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 509

في كلّ لحظة بالعناية الإلهيّة المناسبة، فهو يعزز جهودهم العظيمة، ويدفع أرواحهم وإرادتهم نحو هدف الملحمة الفريد في التاريخ، فيكرّم بآية صريحة قضاء شهيد أو استشهاد بطل = [1] . ثمّ تساءل كيف كان القرآن سيؤدّي دوره حيال طبيعة الإنسان التي جاء يصوغها في ذلك العصر، لو أنّه سبق بنزوله أحداث حنين وأحد، وماذا كان يكون لو أنّه لم يأت لكلّ ألم بعزائه العاجل، ولو أنّه لم ينزّل لكلّ تضحية جزاءها، ولكلّ هزيمة أملها، ولكلّ نصر درسه، ولكلّ عقبة إشارة إلى ما تقتضيه من جهد، ولكلّ خطر أدبي أو مادّي روح التشجيع اللازم لمواجهته، وهل كان لدرس الإسلام العظيم أن يجد طريقه إلى قلوبهم وضمائرهم لو لم يكن نزوله تبعا لأمثلة الحياة نفسها والواقع المحيط بهم؟ ويجيب: لو أنّ القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحوّل سريعا إلى كلمة مقدّسة خامدة، وإلى فكرة ميّتة، وإلى مجرّد وثيقة دينيّة لا مصدرا يبعث الحياة في حضارة وليدة، فالحركة التاريخيّة والاجتماعيّة والروحيّة التي نهض بأعبائها الإسلام لا سرّ لها إلّا في هذا التنجيم = [2] .

ومن ناحية أخرى فإنّ تنجيم هذا النصّ ليتناسب مع مقتضيات الأحوال الخارجيّة ولمدّة طويلة (23سنة) يعني الترابط الواضح بين النصّ اللّغوي والواقع الخارجي ويكشف أيضا عن قضيّة أخرى هي قضية الاتّساق الداخلي في النصّ القرآني، فمسألة التنجيم، ومسألة أسباب النزول، ومسألة الناسخ والمنسوخ كلّها قضايا قد توحي بوجود تناقض في العلاقات الداخليّة للنصّ القرآني. ولكنّها جميعا تؤكّد اتساق النصّ القرآني، فالقرآن رسالة، والمتلقّي الأول هو الرسول (صلى الله عليه وسلّم) ، وهناك مخاطبون، وقد تنزّل القرآن إليهم معالجا مقتضيات حياتهم بخطابات متنوّعة في الأسلوب والمضمون، وإنّ تنوّع الخطاب القرآني، وتدرّجه في مستويات عدّة، بحسب المخاطبين وظروف الخطاب، هو أبرز دليل على أنّ هذا الخطاب هو خطاب الحياة. والذي يكشف عن هذا

(1) مالك بن نبي، الظاهرة القرآنيّة، ص 174.

(2) نفسه، ص 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت