فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 509

ونفاجئ بهذا الخطاب الصارم إلى نبيّه الذي حثّه منذ لحظة ذلك الحديث الودود، = إنّ الأمر هنا يتعلّق بالاستقامة على هدى الله، ويتعلّق بقاعدة التميّز والتجرّد إلّا من طاعة الله ونهجه، ومن ثمّ يجيء الخطاب بهذا الحزم والجزم، وبهذه المواجهة والتحذير = [1] .

{= إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظََّالِمِينَ =} فالآية تحدّد المواقف إزاء المنهج ولذا تكرّر أسلوب الشرط مرّة بعد أخرى {= وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ =} {= وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ =} . ولأنّ موقف الرسول مركزيّ ومحوريّ وغاية في الأهميّة، فإنّ جواب الشرط جاء في هذه الآية مركّبا وليس بسيطا كما في آية موقف أهل الكتاب التي جاءت بسيطة = ما تبعوا قبلتك = فهي جملة خبرية بسيطة مسبوقة بنفي. أما هنا {= إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظََّالِمِينَ =} فهي خطاب فرديّ مباشر (أنت) . وهو أشدّ تأثيرا في الدلالة على التبعة والمسئوليّة، ثمّ إنّه جاء جملة خبرية إنكارية (تشتمل على أكثر من مؤكّد) ، و (إذا) الظرفيّة ارتبطت بفعل الشرط وهي أبلغ في التعبير عن ترتّب جواب الشرط على فعله، وتوحي صيغة الجمع (لمن الظالمين) على الرغم من ابتداء العبارة بخطاب فردي بتحوّل هذا القائد العظيم من موقع التفرّد والتميّز والقيادة إلى أن يكون مجرد واحد من أولئك الذين اختاروا ألّا يتبعوا القبلة المنهج فيما لو اتبع أهواءهم لا قدر الله.

وفي مجموعة الآيات التي تبدأ بقوله = ويسألونك = وهي كثيرة في هذه السورة تطالعنا مواقف شتّى يسأل فيها المسلمون نبيّهم عن شئون مختلفة تصادفهم في حياتهم الجديدة، ليسلكوا إزاءها ما يتطلّبه منهج الإسلام المتفرّد فسألوا عن ظواهر الكون (الأهلّة) ، وعن الإنفاق {= مََا ذََا يُنْفِقُونَ =} ومن أيّ نوع من مالهم ينفقون؟ وأيّ قدر وأيّ نسبة؟، وعن القتال في الشهر الحرام، وعن الخمر والمحيض، وهي أسئلة ذات دلالات شتّى، فهي دليل على تفتّح وحيويّة ونموّ في الحياة وعلاقاتها وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الذي بدأ يأخذ شخصيّته الخاصّة، كما أنّها تعكس علاقتهم بنبيّهم، ورغبتهم

(1) في ظلال القرآن، 1/ 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت