فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 509

أمّا لماذا جاء الأمر للرسول أوّلا ثمّ إلى المسلمين فقد أشرنا إلى دور الرسول في البلاغ والبيان، فتخصيصه بالخطاب هو تخصيص له بالرسالة ثمّ إنّه عليه السلام كان بحاجة إلى لفتة خاصّة، وذلك لما اعتراه من قلق وحيرة نتيجة للتشويش والتحريض، فجاءت هذه اللفتة الحانية الرحيمة لتحقّق له الرضى والسكينة، ومن جانب آخر فإنّ الرسول الكريم هو قائد الجماعة المسلمة ففعله وعمله ورضاه واستقراره هو مصدر اقتداء للبقية من المؤمنين ولذا فقد جاءت الضمائر وطريقة الخطاب تترجم هذه الرعاية وهذا المنهج في التربية. ثمّ يتوجه الله إليه بخطاب خاصّ آخر {= وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتََابَ بِكُلِّ آيَةٍ مََا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ =} فالنبيّ يريد لهم الهداية، وهو يحاول معهم مرّه بعد أخرى، ولعلّ إصراره على هداهم وتنكّبهم في كلّ مرّة كان يزيد في أرقه وضيقه، فيأتي الخطاب بجواب قاطع بأسلوب الشرط فمهما أتيت من آية مقنعة فسيكون الجواب = ما تبعوا قبلتك = ومع أنّ القبلة ليست لمحمّد وحده فقد نسبها الخطاب إليه، والمقصود منهجك الذي تدعو إليه والذي ترمز إليه هذه القبلة. وفي مقابل إصرارهم على الغيّ يأتي موقف النبيّ وإصراره = وما أنت بتابع قبلتهم = ولاحظ وجود أداة العطف (الواو) مع أنّ النفي يلازم الجملتين وذلك لوجود التغاير بين معنى الجملتين فالجمل لا تحتاج إلى أداة رابطة إذا كان بعضها بيانا لبعض، ونحتاج الأداة إذا حدث تغاير في اتجاه الدلالة، فالفرق بين موقفه وموقفهم قد عبّر عنه النص بضمير المخاطب (قبلتك) وضمير الغائب (قبلتهم) فهما اتّجاهان مختلفان، ثمّ لاحظ الباء المزيدة = بتابع = التي إذا اقترنت بالنفي زادت المعنى قوّة والموقف صلابة، أي ليس من شأنك أن تتّبع قبلتهم أصلا، ثمّ استخدام الجملة الاسميّة المنفيّة هنا أبلغ في بيان الشأن الثابت الدائم للرسول صلى الله عليه وسلم تجاه هذا الأمر، وفيه إيحاء قويّ للجماعة المسلمة من ورائه بأن لا تختار غير ما اختار لها ربّها، وما كان النبيّ وقد علم الحق أن يتّبع أهواءهم. {= وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظََّالِمِينَ =} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت