إنّ الرسالة تتقولب بحسب المخاطب، أي تتشكّل لإيصال الرسالة له، أو لتصفه حسب أحواله، أو تقرأ مواصفات هذا المخاطب وغرضه وتفكيره وسلوكه، أو نتوقّعها من خلال ما تشي به بنية النص وروابطه وصيغه، ولصعوبة استحضار جميع
الشواهد في هذه السورة الكريمة فإنّنا سنتخّير بضعة أمثلة لكل جماعة من المخاطبين، فبعد الحروف المقطّعة التي تفتتح بها السورة، نجد سمات الأمّة الجديدة التي كتب الله لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، و (ذلك) كما قال المفسّرون إشارة لما في سورة الفاتحة حين سألوا الله الهدى {= اهْدِنَا الصِّرََاطَ الْمُسْتَقِيمَ =} جاء الجواب أنّ الهدى للصراط المستقيم هو في ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، وقد قرّر السياق هذه الحقيقة في كلمات قلائل، لأنّه لم يعد يردّ على المكذّبين والمجادلين الذي يجادلون في صدق الوحي والرسالة، وفي أنّ الكتاب منزّل من عند الله، إنّه يخاطب المؤمنين اليوم مباشرة بعد أن تميّزوا عن الكفّار في مجتمعهم الجديد القائم بذاته، وصار الكلام والتوجيه لهم خاصّة، وإن كان يحدّثهم في السورة عن المشركين والمنافقين واليهود والنصارى ولكنّه يحدّثهم ليعلّمهم ويعرّفهم بأحوال هذه الفئات ومواقفها، لا ليجادلها جدلا مفصّلا في صحة الوحي والكتاب ويعد هذه الحقيقة الموجزة يمضي السياق إلى تقرير سمات المتّقين، وهو تقرير وتوجيه في الوقت ذاته، ولننظر كيف وصف النصّ الجماعات المختلفة بحسب موقفها من ذلك الكتاب.
أمّا المتّقون فقد جاءت الآيات (52) لوصفهم أي أربع آيات فقط لوصف المؤمنين أمّا سماتهم التي ذكرها فهي:
{= الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ = (1) ، = وَيُقِيمُونَ الصَّلََاةَ = (2) ، = وَمِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ = (3) ، = وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ = (4) ، = وَمََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ = (5) ، = وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ = (6) ، = أُولََئِكَ عَلى ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ = (7) ، = وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ = (8) } .
ثماني جمل متتابعة في آيات أربع لتصف المؤمنين، والجملة الأولى ارتبطت مع الآية الأولى في السورة عن طريق الاسم الموصول (الذين) فكأنما التقوى كلّها ممثّلة فيهم (المتقين الذين) فالوصف بالوصل يحمل معنى التمثّل الكامل، والإيمان بالغيب هو الصفة الأولى للمؤمنين، وهي الصفة الكبرى كذلك وهي مصدر الصفات الأخرى جميعا فوضعها في مقدّمة صفات المتّقين لا تجيء اعتباطا فكيف يتّقون إن لم يؤمنوا بالله وهو غيب، وبالوحي وهو غيب، وباليوم الآخر وهو غيب، وبال إنّ قاعدة حياة المؤمن
الرئيسة هي إيمانه بالغيب الذي يتمّ عن طريقه إيمانه بالله واليوم الآخر والملائكة، ويتقرّر عن طريقه خط سلوكه كلّه في الحياة. وفي الجملة الثانية {= وَيُقِيمُونَ الصَّلََاةَ =} وهي أوّل صورة عملية محسوسة ينعكس من خلالها ذلك الإيمان، إقامة الصلاة ثمّ الإنفاق من رزق الله، واستخدم النصّ الفعل المضارع الدال على الاستمرارية والديمومة: يؤمنون يقيمون ينفقون. ثم استخدام لفظة الإقامة للصلاة بما فيها من استقامة ودقّة ومحافظة، ولاحظ الحذف في الجملتين (2) و (3) فأصلها = والذين يقيمون الصلاة = = الذين ينفقون ممّا رزقناهم = ثمّ التقديم والتأخير في الجملة (3) ، وذلك لأنّ السياق سياق حديث عن الإنفاق، والمال مال الله فهما صفتان لا صفة واحدة الأولى استشعار بأن الله هو الرزاق وهذا يدخل في نطاق الإيمان، والثانية هي صفة الإنفاق، واستشعار الأولى يأتي قبل الثانية، ولا يتصدّق المرء إلّا إذا استيقن تماما بأنّ الرزق من الخالق عزّ وجل، وفي هذا يتوافق السياق النصي مع السياق الواقعي أمّا الحذف فهو لتقوية حقيقة صدور هذا الخير كلّه عن الإيمان بالغيب {= الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ =} . وفي الجملة (6) نجد {= وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ =} مع أنّ الإيمان بالآخرة داخل ضمن الإيمان بالغيب، ولكنّ السياق يبرزه ليعطيه أهميّة خاصّة فالإيمان بالآخرة هو الطريق الذي يعين الإنسان على الاستقامة في الدنيا والالتزام بحدود الله. وفي الجملة تقديم وتأخير وأصلها = وهم يوقنون بالآخرة = وكأنّ موضع اليقين هو الذي يسلّط عليه الضوء هنا باعتبار أن اليقين حاصل بشكل عام بكلّ ما يتّصل بالغيب، ولكنّ الآخرة تأخذ مكانا خاصّا في هذا الغيب، ثمّ تأتي الجملة (7) {= أُولََئِكَ عَلى ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ =} وترتبط بما قبلها باسم الإشارة، ثمّ الاستعلاء المجازي {= عَلى ََ هُدىً =} والتعبير بالمصدر أيضا له دلالته من الثبوت واستحكام اليقين فإذا كان الكتاب فيه هدى فإنّ أولئك { (عَلى ََ هُدىً) } فحين قبسوا الهدى من الكتاب أصبحوا يمتلكون الهدى الآتي من ربّهم مباشرة، وكأنّ ضربين من الهدى هنا: