وإذن فالزمن الخاصّ للآيات الكريمة (النصّ) تحدّد وفقا للمعايير التالية: الحدث (الهجرة) واختيرت الهجرة نظرا لضخامتها وعظيم تأثيرها باعتبارها نقطة تحوّل محوريّة في تاريخ المخاطبين بهذا النصّ الكريم، ونحن اليوم نؤرخ بالأحداث الكبيرة باعتبار هول تأثيرها في الحياة والشخوص كقولنا: خلال الحرب العالميّة الأولى أو الثانية، أو في أيّام الزلزال الكبير، أو في ذكرى النكبة، أو غيرها من المصطلحات الزمانيّة المرتبطة بأحداثها.
والمعيار الثاني هو الوقت الحقيقي للنزول (نهارا أو ليلا) صيفا أو شتاء وحتّى تحديده بالساعة أو الشهر أو السنة. ومن أمثلته آيات تحديد القبلة فقد نزلت في السنة الثانية من الهجرة في رجب ما بين الظهر والعصر [1] ، ومنه آية الصيام [2] نزلت في السنة الثانية في شعبان. والآية (196) من سورة البقرة نزلت سنة ست في ذي القعدة، والآية (217) من سورة البقرة نزلت في سريّة عبد الله بن جحش سنة اثنتين في رجب [3] . والمعيار الثالث: هو ترتيب النزول فهناك ترتيب للنزول وآخر للتلاوة، وهذه المعايير معا تشكّل نوافذ مختلفة للنظر. فالتأريخ بالحدث يعني رصد التحوّلات في ظرف الحال الملامس للنصّ، وأثره في تحوّلات المخاطبين، والتأريخ بالوقت يشبه وضع النصّ في لحظة تاريخيّة محدّدة حيّة وفق معاش الشخوص وحركتهم، ويضع النصّ ضمن حركة الزمان الطبيعيّة، وأمّا المعيار الثالث فهو ذو طبيعة نصيّة بحتة إن جاز التعبير فهو يتعلّق باكتمال النصّ وترتّب مفرداته، وأثره واضح فيما يشبه أثر مقدّمة النصّ وخاتمته على القارئ وهو ملحظ تنبّه له الدارسون من خلال ترجيحهم لآخر ما نزل في الآية {= وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللََّهِ =}
لمناسبته أن يكون آخر ما يقرأه المسلم في مثل تلك الظروف، بل يربط بعضهم ذلك النصّ الختامي بمبتدإ التنزيل فسورة العلق التي تعدّ آياتها الأولى أوّل ما نزل تتحدّث عن أصل الخلق والتكوين { (الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ) } والنصّ الختامي يذكر الرجوع
(1) السيوطي، التحبير في علم التفسير، ص 153.
(2) سورة البقرة، الآيات (184182) .
(3) السيوطي، التحبير في علم التفسير، ص 154.