وفكرتا الحال والمقام في مفهوم البلاغيّين مرتبطتان بالبعد الزماني والمكاني للكلام، وذلك أنّ الأمر الذي يدعو المتكلّم إلى تقديم صياغته على وجه معيّن، إمّا أن يتّصل بزمن هذه الصياغة فيسمّى (الحال) وإما أن يتّصل بمحلّها فيسمّى (المقام) ، ومن هنا ارتبطت فكرة الحال والمقام بالمقال، واختلاف صور هذا المقال يعود بالضرورة إلى اختلاف الحال والمقام، وتمتدّ فكرة المقام إلى علاقة المجاورة التي تكون بين كلمتين متتابعتين فقالوا:
= إنّ لكل كلمة مع صاحبتها مقاما =، ويمكن ملاحظة تقارب مفهوم المقام عند البلاغيّين مع مفهوم العلاقات السياقيّة عند (دي سوسير) [9] ، من خلال ما ذكره ابن الأثير في باب الصناعة اللفظيّة، متدرّجا من هذا الإطار الضيّق للعلاقات السياقيّة إلى الإطار الواسع لمفهوم السياق المتّصل بالمقام فصاحب الصناعة اللفظيّة يحتاج في تأليفه إلى ثلاثة أشياء أوّلها: = اختيار الألفاظ المفردة، وحكم ذلك حكم اللآلئ المبدّدة فإنّها تتخيّر وتنتقى قبل النظم وثانيها: نظم كلّ كلمة مع أختها المشاكلة لها لئلّا يجيء الكلام قلقا نافرا عن مواضعه، وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كلّ لؤلؤة منه بأختها المشاكلة لها.
والثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه، وحكم ذلك حكم الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارة يجعل إكليلا على الرأس، وتارة يجعل قلادة في العنق، وتارة يجعل شنفا في الأذن، ولكلّ موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصّه = [1] .
(9) يرى سوسير أنّ هناك علاقات تقوم بين الكلمات في تسلسلها تعتمد على خاصيّة اللغة الزمنيّة، فهي تجري كخط مستقيم يستبعد فيه إمكانيّة النطق بعنصرين في وقت واحد، وتتآلف العناصر في سلسلة الكلام، وهذا التآلف الذي يعتمد على الامتداد يطلق عليه (العلاقات السياقية) . والتركيب بهذا الاعتبار يتألّف دائما من عنصرين أو أكثر مثل: (الطقس جميل) ، وعند ما تدخل الكلمة في تركيب ما فإنّها تكتسب قيمتها فحسب من مقابلتها لما يسبقها أو يلحقها من كلمات. ومن ناحية أخرى فإنّنا لو أخذنا أيّ كلمة من السلسلة السياقية لوجدنا أنّها تثير كلمات أخرى بالتداعي والإيحاء. فكلمة = تعليم = مثلا تثير معها في الذهن كلمات أخرى مثل: تربية، معلّم، وعلم، ومدرسة. وهذه تجمعها علاقة تسمّى العلاقات الإيحائيّة وهي تختلف عن العلاقات السياقيّة. انظر صلاح فضل / نظريّة البنائيّة في النقد العربي، ط 1، ص (3635) .
(1) ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبّانة، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1، 1972/ 398.