وهذا نصّ يؤكد إدراك هذا البلاغي لمفهوم الامتداد الخطّي لسلسلة الكلام وأهميّة التوافق الذي يجب أن يتوافر بين عناصره، ومن ثمّ التوافق مع السياق المحيط به والذي أسماه (الموضع) أو (الغرض) فتشكيلة الكلام تتّفق مع الحدث الذي أنتج هذا الكلام. كما أنكر ابن الأثير ما كان ذهب إليه الجمهور من أهل النظر البلاغي من أنّ البيت الشعري يجب أن يكون مستقلا عن غيره من الأبيات، وأنكر عدم جواز ما يعرف بالتضمين في البيت الشعري. ورأى أنّ علاقة البيت بالبيت كعلاقة الفقرة بالفقرة، ويشبّه القصيدة بأنّها كالسبيكة الواحدة [1] . إنّ هذه الوحدة العضويّة تعين القارئ على التفاعل مع النصّ، وهذا التفاعل يعينه على الوقوف على مزايا النصّ، وتنظيمه الداخلي.
ويمكن تدقيق الرؤية العربيّة القديمة لمفهوم العلاقات السياقيّة بنقلها من مستوى اللّغة إلى مستوى الأداء الفنيّ من خلال دراسة ابن سنان الخفاجي للحروف والأصوات، وربطها بالنواحي الدلاليّة والبلاغيّة، حيث يذكر في مقدّمة كتابه (سرّ الفصاحة) نبذا من أحكام الأصوات وحقيقتها، وتقطيع هذه الأصوات بحيث تصير حروفا متميّزة، وأحوال مخارجها وكيفيّة تحوّلها إلى كلام منتظم [2] . كما يذكر الخفاجي أنّ كلّ صناعة كمالها بخمسة أشياء. الموضوع وهو الخشب في صناعة النّجارة، والصانع وهو النّجار، والصورة وهي التربيع المخصوص، والآلة مثل المنشار والقدوم وما يجري مجراهما، والغرض وهو أن يقصد على هذا المثال الجلوس فوق ما يصنعه إن كان كرسيّا وإذا كان الأمر على هذا، ولا يمكن المنازعة فيه، وكان تأليف الكلام المخصوص صناعة وجب أن نعتبر فيها هذه الأقسام = [3] . والموضوع عنده في صناعة الكلام هو الكلام المؤلّف من الأصوات، والصانع هو الكاتب الذي ينظم الكلام، وأمّا الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر، وأمّا الآلة فهي طبع الناظم والعلوم التي اكتسبها، وأمّا الغرض فبحسب الكلام المؤلّف إن كان مدحا، وإن كان هجوا.
(1) ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبّانة، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، ج 1/ ص 211.
(2) ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة ط 1، مطبعة صبيح / القاهرة / 1953، ص (54) .
(3) نفسه، ص: 102.