إنّ دراسة ابن سنان هذه تقدّم لنا صورة عن طبيعة العمليّة الإبداعية، وأنّها ليست عفويّة، بل إنّها اختيار منظّم يرتبط بالسّياق اللغوي الداخلي للنصّ، ويتدرّج معه حتّى ينتظم ضمن سياق عام أو مقام، كما أنّ الأسلوب عند ابن سنان يرتبط بهذا السياق، فالسياق هو الذي يحدّد الأسلوب، ويستحسن هذا الأسلوب بقدر ما يتّفق مع السياق = فإنّ لكلّ مقام مقالا، ولكلّ غرض فنا، وأسلوبا = [1] ، كما يقول ابن سنان.
وعناصر السّياق التي يتعرّض لها البلاغيّون والنقّاد هي الغرض أو الهدف، وطبيعة الموضوع، والمخاطب فطبيعة الرسالة اللغويّة تتغيّر بتغيّر هذه العناصر، بما فيها الرسالة الإبداعيّة. ويعبّر ابن قتيبة عن هذا بقوله: = فالخطيب من العرب إذا ارتجل كلاما في نكاح، أو حمالة، أو تخصيص، أو صلح، أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد، بل يفتنّ فيختصر تارة إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرّر تارة إرادة التوكيد، ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين، ويشير إلى الشيء ويكنّى عنه، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وكثرة الحشد وجلالة المقام = [2] . وممّا لفتني حقا أنّه أتبع هذه العبارة الجامعة قولة تضيء بعض ما نحن بصدده من تحليل سورة البقرة، وهي أنّ = من فهم مذاهب العرب في ذلك، وكثر نظره في افتنانها في الأساليب، عرف فضل القرآن = [3] . أي أنّ اتّساق الكلام مع غرضه، ومع حال المتكلّم وحال السامع وعنايته بالأسلوب من أجل إيصال الرسالة اللّغويّة قول ينطبق على كلّ رسالة لغويّة، ومن هذا الوجه يعرف فضل (القرآن الكريم) باعتباره يمثّل الذروة في الاتّساق والإبلاغ والبيان، والمخاطب هو محور عملية الإبلاغ في هذه الرسالة الإلهيّة ولذلك فقد توافر لهذا النّص القرآني كل عناصر الاتساق التي تؤدّي إلى تمام الإبلاغ.
(1) ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة ط 1، مطبعة صبيح / القاهرة / 1953، ص 156.
(2) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، تحقيق أحمد صقر، ط 1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1954، ص 13.
(3) نفسه.