فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 509

وأمّا (السياق الحالي) فقد كان له حظّ وافر في دراسات البلاغيّين العرب القدامى، فقد تنبّهوا إلى أثره في جعل الوحدات الكلاميّة أكثر غنى، وثراء ووضوحا، لدى السامع، ولعلّ الجاحظ أوّل من حاول تصنيف صور الدلالة فجعلها خمسا لا تزيد ولا تنقص، وهي اللّفظ والإشارة، والعقد (الحساب) والخطّ، ثمّ الحال التي سمّاها نصبة، والنصبة هي الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصّر عن تلك الدلالات، ويقصد الجاحظ بالإشارة عمل اليد والرأس، والعين، والحاجب، والمنكب وغير ذلك ممّا يصحب الكلام من حركات، ولولا هذه الإشارة في رأيه لما تفهّم النّاس معنى خاص الخاصّ [1] .

وقد جمع الجاحظ في هذا عددا من القوى الكلاميّة وعدّها دلالات ناطقة، فهي جزء لا يتجزّأ من الحدث الكلامي، ودورها معروف في الإبانة عن دلالته وتقويته، وأما النصبة وهي الحال الناطقة من غير لفظ، والمشيرة بغير يد، فالأشياء هنا تقوم مقام الكلمات في الإبانة عن ذواتها، وهو تعبير دقيق لسياق الحال بكلّ تفاصيله وأثره في تدقيق الوصف للحدث الكلامي، ولنا أن نتخيّل مثلا مسرحا لمعركة دامية بكلّ تفاصيلها، إنّ آلاف المجلّدات لا يمكن أن تعدل بضعة مشاهد حيّة لهذا المسرح، أو مكانا قد أتت عليه الزلازل، أو حادث تصادم بين عدد كبير من الحافلات وغيرها. ويتنبّه الجاحظ إلى الأثر السلبي الذي يتركه انتزاع الكلم من سياقه، وبخاصّة إذا كان الأمر في النوادر من كلام الأعراب، = فأي تغيير يجريه الناقل في الإعراب أو في مخارج الألفاظ يفسدها ويبدّد ما كان فيها من المؤانسة والإمتاع = [2] .

ويقف السكّاكي عند أثر (المقام) في صياغة الحدث الكلامي حين يثير موضوع (الزيادة) فالزيادة كما يقول لها مقامات تستمدّ قوامها من مناسباتها، بحيث تصادف

(1) الجاحظ: عمرو بن بحر (ت 255هـ) ، البيان والتبيين، ط 1، تحقيق عبد السلام هارون، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1950، 1/ 16.

(2) نفسه، 1/ 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت