موقعها المحمود، فزيادة (لك) في قول الخضر لموسى عليه السلام في الكرّة الثانية (ألم اقل لك) لاقتضاء المقام مزيد تقرير لما كان قد قدّم له من { (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) } [1] .
وكذلك قول موسى عليه السلام { (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) } [2] . بزيادة (لي) = لاكتساء الكلام معها من تأكيد الطلب لانشراح الصدر ما لا يكون بدونه = [3] . وإنّما يقصد السكّاكي في هذا الموضع أنّ كلّ تغيير في العالم الخارجي يجد صداه في الحدث الكلامي المتّصل به، ولعلّ هذا يذكّرنا بقولة (برتراند رسل) : = إنّ علينا أن ننظر إلى كلامنا على أنّه أحداث في العالم الملموس = [4] .
وتبدو كتب إعجاز القرآن [9] ميدانا فسيحا تتجلّى فيه نظريّة السّياق بأوضح صورة وأعمقها. وهذه النظريّة تتناول جميع جوانب العلاقة بين النصّ والسياق. فهذا الخطّابي يرسم صورة الائتلاف بين النصّ والسياق من جهة، وبين أجزاء النصّ نفسه في مستوياته المختلفة من جهة أخرى، يقول: = وأمّا رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنّها لجام الألفاظ وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان = [5] . فالعالم الخارجي يتشكّل صورة في النفس، ثمّ تترتّب هذه المعاني ألفاظا متّسقة متآلفة منتظمة، يمسك بعضها ببعض، وهذه هي رؤية الخطّابي لطبيعة التكامل بين الواقع (سياق الحال) وسياق اللّغة.
(1) سورة الكهف، آية (75) .
(2) سورة طه، آية (25) .
(3) السكّاكي، مفتاح العلوم، ص 123.
(4) جون لاينز، اللّغة والمعنى والسياق، ص 227.
(9) لم ندرج كتب إعجاز القرآن ضمن ميدان علوم القرآن، لأنّها تناولت معجزة القرآن البيانيّة بشكل أساسي ممّا يجعلها أقرب إلى ميدان البلاغة، إن لم نقل إنها في مركز الدراسات البلاغيّة.
(5) بيان إعجاز القرآن / ضمن ثلاث مسائل في إعجاز القرآن الكريم للرمّاني والخطّابي والجرجاني، تحقيق محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام، ط 3، دار المعارف، القاهرة، 1986، ص 36.