فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 509

وأمّا الباقلّاني فهو أكثر وضوحا في تحديد أثر السياق المحيط بالنصّ على اختيار ألفاظ ذلك النصّ وأسلوبه، يقول: = إنّ اختيار اللّفظ، وإحلاله في الموقع المناسب في السياق هو أساس البلاغة، والإحسان في البيان، فإنّ إحدى اللفظتين قد تنفرد في موضع، وتزلّ عن مكان لا تزلّ عنه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه، وتضرب بحرانها، وتراها في مظانّها، وتجدها غير منازعة إلى أوطانها، وتجد الأخرى لو وضعت موضعها في محل نفار، ومرمى شراد، ونابية عن استقرار = [1] . فالمقامات تحدّد اختيار الألفاظ ثمّ تترتّب هذه الألفاظ وفق تسلسل سياقيّ لغويّ داخل النص، وأوضح الباقلّاني مسألة الاتساق الداخلي في النصّ من خلال وصفه لأسلوب القرآن بأنه قائم على الترابط والتناسب سواء فيما بين المحتوى أو تسلسل الألفاظ واطّرادها في قوالب منظومة، تتّصل مقدماتها مع نتائجها وتتناغم موضوعاتها وتترتّب عناصرها، وتتّصل بطريقة قائمة على التناسب في نظم الفصل والوصل [2] .

ومن الجدير بالذكر أنّ علماء الإعجاز غالبا ما يبدءون الحديث عن إعجاز القرآن بالحديث عن بلاغة العرب، وتمكّنهم من فنّ القول وكأنّه يشار بذلك إلى سياق الثقافة، فقد كانت معجزة القرآن في جنس ما يمهرون ليكون التحدي أكبر وأظهر. ثم إنّهم يشيرون إلى الوقائع التاريخيّة التي نزل القرآن في سياقها، وبعد ذلك يبدءون بالحديث عن ألوان الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم مركّزين على المخاطب، وعلى تشكّل الآية في صورة مثلى تؤدّي إلى إبلاغ (توصيل) أسرع وأعمق وأكثر تأثيرا.

وحين نظر البلاغيّون والنّقاد إلى = مراعاة القول لمقتضى الحال = باعتباره شرطا أساسيّا في التعبير، فإنّهم بنوا هذا التصوّر على فهم اجتماعي لوظيفة الأدب، يؤول إلى افتراض المتلقّي وحضوره، وقد عدل به القدماء عن مناسبة القول الشعري للحال التي

(1) أبو بكر الباقلّاني، إعجاز القرآن الكريم، تحقيق أحمد صقر، ط 3، دار المعارف، مصر، 1971، ص 220.

(2) نفسه، ص 220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت