فيها الشاعر، إلى مناسبته للحال التي فيها القول (السياق الحالي) عدولا محكوما بطبيعة الشعر العربي أحيانا وتقسيمه إلى أغراض ومناسبات، وهذا ما نراه في ارتباط فكرة السياق في كتب النقد والبلاغة بالحديث عن سقوط المطالع، وضعف التخلّص، وتنافر الأشطار، وافتقاد التناسب بين العبارة الشعريّة ومقتضى الحال، وهو تفسير جعل القدماء يطلقون أحكاما لا تتعلّق في أكثر الأحيان بالجانب الفني من التعبير بقدر ما يتعلّق باللّياقة والمراسم الاجتماعيّة، وإذا كان الاهتمام بالجانب الاجتماعي أمرا ضروريا فإنّ من السذاجة إغفال مسألة أنّ النص الأدبي قابل للقراءة في سياقات عديدة بحكم تكوينه الجمالي الذي يقترب به إلى العالميّة من خلال تراكيبه وقوى الكلمات المشعّة فيه وصوره، وعمق التجربة الكامنة فيه، فالسياق له قدرة على النموّ والتغيّر من خلال القارئ الذكيّ المتفتّح.
والتماسك النّصّي مظهر بارز من مظاهر الاتّساق الداخلي، وأعاره المحدثون أهميّة بالغة وخاصّة في لسانيّات النصّ، وقد عالجه النّقاد القدامى معالجة ذكيّة وعبّروا عنه من خلال استخدام مصطلحات متعدّدة مثل: التلاحم، النّظم، تناسب الأجزاء، الانسجام، المشاكلة، وأبرز من تناول هذا المظهر الجاحظ، وابن طباطبا، والحاتمي، وحازم القرطاجنيّ. فالجاحظ يصرّح بأنّ أجود الشعر = ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا = [1] . وفي موضع آخر يصف بيتا يقول فيه: = فتفقّد النصف الأخير من هذا البيت، فإنّك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض = [2] . ويضيف في موضع آخر أنّ الشعر الجيّد = تجد أجزاء البيت فيه متّفقة، حتّى كأنّ البيت بأسره كلمة واحدة. وكأنّ الكلمة بأسرها حرف واحد = [3] فتلاحم الأجزاء عند الجاحظ يتمثّل في تلاحم الأبيات المشكّلة للقصيدة، وتلاحم الأجزاء المشكّلة
(1) الجاحظ، البيان والتبيين / ج 1/ ص 89.
(2) نفسه، ج 1/ ص (8887) .
(3) نفسه، ج 1/ ص 91.