فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 509

قائم، ثمّ يقولون إنّ عبد الله قائم، ثمّ يقولون: إنّ عبد الله لقائم، فالألفاظ متكرّرة والمعنى واحد. فقال أبو العبّاس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم: إنّ عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل، وقولهم: إنّ عبد الله لقائم: جواب على إنكار منكر قيامه، فقد تكرّرت الألفاظ لتكرّر المعاني. [1]

ونجد السكّاكي يحدّد المعاني تحديدا قائما على اعتبار المتلقّي العنصر الأساسي في العمليّة الإبداعيّة. فالمخاطب إمّا أن يكون خالي الذهن، وإمّا أن يكون متردّدا في الحكم وإمّا منكرا له، وقد يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فيجعل غير السائل وهو خالي الذهن كالسائل، وقد يجعل غير المنكر للمنكر وقد يجعل المنكر كغير المنكر [2] . فذهن المتلقّي وطبيعته واردة في جلّ مجالات الدراسة البلاغيّة من خلال هذا الإطار الإدراكي المشترك بينه وبين المبدع، وفي كلّ حالة من الحالات يراعي المبدع ذلك، من خلال استخدام أدوات لغويّة معيّنة تناسب هذا المتلقّي، كأدوات التوكيد مثلا مراعاة لمقتضى الحال، ومناسبة للمخاطب. ويتأثّر الأسلوب تبعا لهذا، كما ورد في عبارة السكّاكي الماثلة في مطلع هذا الموضوع، = فمقام التشكّر يباين مقام الشكاية، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية ومقام المدح يباين مقام الذمّ، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجدّ يباين مقام الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار ولكلّ ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر = [3] .

ويمتدّ هذا المقام عند البلاغيّين عبر جزيئات الصياغة بحيث يكون لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام، ونحن نلحظ دقّة السكاكي عند ما عرض لأداء المعنى الواحد بطرق متعدّدة، فقد لاحظ أنّ تغيّر الصياغة لا بدّ أن يتبعه تغيّر في المعنى العام بالزيادة أو النقصان، أو بالوضوح والخفاء بل إنّ اتفاق الجملتين

(1) دلائل الإعجاز، ص 375.

(2) السكّاكي، مفتاح العلوم، ص 7.

(3) نفسه، ص 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت