فأنزل الله تعالى في كتابه يردّ علينا ما هممنا به، فقال: = {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ وَلََا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ =} في الإقامة التي أردنا أن نقيم، وفي الأموال فنصلحها، فأمرنا بالغزو فما زال أبو أيّوب غازيا في سبيل الله حتى قبضه الله عز وجلّ = [1] . إنّ المسلمين في هذه الحادثة قد استدعوا نصّا ليحاكي سياقا جديدا، وهو عكس ما أثرناه في النقطة (531) التي ذكرنا فيها استدعاء النصّ لسياقات سابقة له بسبب تشابه السياقات. ولكنّ استدعاءهم لهذا النصّ لم يكن في محلّه إذ إنّ عدم فهمهم للسياق الذي زامن النصّ جعل قياسهم خاطئا، بل هو مغاير تماما لمقصود النصّ، وفي تعبير أبي أيوب رضي الله عنه = على غير التأويل = فالنصّ يدعو إلى البذل والجهاد وهم فهموا منه عدم التضحية وحتى الجبن باسم الابتعاد عن التهلكة، وهو ما جاء سبب النزول ليوضحه.
ومنه كذلك قوله: {= فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللََّهِ =} [2] ، فإنّا لو تركنا مدلول اللفظ كما هو لاقتضى أنّ المصلّي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا أو حضرا، وهو خلاف الإجماع، فلمّا عرف سبب نزولها [3] ، علم أنّها في نافلة السفر، أو فيمن صلّى بالاجتهاد وبان له الخطأ على اختلاف الروايات في ذلك.
إنّ هذه الأمثلة لتؤكّد ما ذهبنا إليه من أنّه لا يمكن فهم النصّ بمعزل عن سياقه، وإنّ هذا السياق لا يشرح النصّ فحسب، بل ينفي التناقض الذي يترتّب على القراءة الظاهرية للنص، كما أنّه يفسّر أيضا طبيعة الصياغة اللّغوية التي جاء النصّ عليها دون غيرها.
(1) الواحدي، أسباب النزول، ص 32.
(2) سورة البقرة، الآية (115) .
(3) الواحدي، أسباب النزول، ص 32.