فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 509

طالت المدّة عبدا من دون الله، فكان أهل الجاهليّة إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلمّا جاء الإسلام وكسّرت الأصنام كره المسلمون الطواف لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية = [1] .

إنّ هذا (السبب) خير شاهد على النصّ الذي لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقه الاجتماعي الذي نزل فيه، وإلّا فسيقرأ قراءة مغايرة لما يراد منه، وهو ممّا يمكن أن يشكّل لبسا لدى القارئ المعاصر كما سبّب لبسا للقارئ في تلك العصور الأولى، على نحو ما رأينا في سؤال عمرو بن الحسين لابن عمر. ويكشف فضلا عن ذلك عن آليّات النصّ في معالجة هذا الموضوع الذي نزل ليعالج واقعة بعينها. وانظر في مثالنا قوله تعالى {= فَلََا جُنََاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا =} فهناك محذوف في النصّ هو ما يتعلّق بوجود الصنمين، فالجناح متعلّق بوجودهما وليس بالطواف مطلقا.

ومن الأمثلة البارزة كذلك على حدوث مثل هذا اللّبس لدى القدامى فضلا عن المحدثين الآية الكريمة: {= وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللََّهِ وَلََا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ =} [2] . فيروي الحكم بن عمران هذه المسألة حين يقول: = كنّا بالقسطنطنية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله فخرج من المدينة صفّ عظيم من الروم، وصففنا لهم صفّا عظيما من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلا، فصاح الناس فقالوا: سبحان الله (ألقى بيديه إلى التهلكة) . فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: = أيّها الناس إنّكم تتأوّلون هذه الآية على غير التأويل، وإنّما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنّا لمّا أعزّ الله تعالى دينه وكثر ناصروه، قلنا بعضنا لبعض سرّا من رسول الله: إنّ أموالنا قد ضاعت، فلو أنّا أقمنا فيها، وأصلحنا ما ضاع منها،

(1) الواحدي، أسباب النزول، ص 25.

(2) سورة البقرة، الآية (195) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت