فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 509

وإنّنا لنجد من زاوية رؤية أخرى أنّ الحضارة العربيّة عبر علاقتها العضويّة باللّغة قد تحوّلت هي نفسها من نسق تقول اللّغة فيه ما تقول، إلى فعل لغوي يقول النّص القرآني فيه كلّ ممكناته الدلاليّة التي لا تتناهى. والاتجاه الثاني الذي يرتهن في وجوده إلى الوجود الاجتماعي للّغة ولقد تجلّى هذا عندهم في النظر إلى الخطاب موزّعا على أنواعه وأجناسه التي يحقّق فيها نفسه وينتج من أجلها دلالاته. فلدينا أولا الخطاب التداولي ممثّلا في الكلام اليومي الاستهلاكي ويضع هذا النوع من الخطاب الدلالة في قلب السياق الاجتماعي، وذلك لأنّ هدفه يقوم على التواصل. وهو يطلب لكونه أداة تقوم بنقل الأفكار. ولكي يؤدّي رسالته فكرة ودلالة ومضمونا ومعنى محتاج أن يكون مكتسبا لتواضع المرسل والمتلقّي عليه بشكل ضمني وسابق على وجوده، فالنظام المستخدم فيه يجب أن يخضع الى معياريّة النظام المتعارف عليه بين المتكلّمين، أي يجب أن يكون ممّا يقره السياق الاجتماعي ويتعارف عليه. ولدينا ثانيا الخطاب الأدبي ممثّلا بكلّ التراث الفنّي والجمالي، وهو يقوم على غير ما يقوم عليه الخطاب التداولي وهذا النوع من الخطاب ليضع الدلالة في قلب السياق اللّساني، لأنّ هدفه لا يقوم على التواصل إلّا بشكل غير مباشر. والكلام فيه غالبا يطلب لذاته. وهو غير محتاج لتواضع تفضيليّ بين المرسل والمتلقّي وحاجته إلى نظامه الخاص وسياقه الخاص أولى ولذا فالإشارات اللّسانيّة المتضمّنة فيه إذ يلتقطها المتلقّي فهو يتصرّف بها على أنّها إشارات حرّة أو مفتوحة. فإذا أضفنا إلى هذين الخطابين الخطاب القرآني الذي يجمع بينهما تداولا وإبداعا ويتجاوزهما معا في الوقت نفسه إلى هويّة خاصّة به وهو يرتهن في وجوده إلى وجود القرآن نفسه، وهو يختزل كلّ ما فيه بكلمة واحدة هي التوحيد. هي أصل كلّ دلالة فيه ومنتهى كلّ توليد فيه فإننا نستطيع القول إنّ هذا النّص أنشأ حضارة يمكن أن نسمّيها حضارة النّص كما سمّاها أبو زيد، وإنّنا يمكن أن نرى في هذا الخطاب: الدلالة التاريخيّة ونقصد بها الدلالة التي ثبّتها المكتوب في النّص وصيّرها إشارة يدلّ بها على سياقه الخارجي. والنصّ بهذا يعدّ حزمة إشاريّة تتّصل دلالاتها بأسباب النزول وزمن الحدوث. ويمثل النظر إلى النّص بهذا المعيار الجانب

الموضوعي الإدراكي منه، ولكن على مستويات أخرى تظهر تداوليّا، ولذا فإنّ ذات القارئ المتحوّلة به تتدخّل أيضا في إعطاء تاريخيته معنى مضافا غير المعنى المتّصل بأسباب النزول وزمن الحدوث، ويمكن أن نرى في هذا الخطاب الدلالة النصيّة، والنّص القرآني يمتاز عن بقيّة النصوص بفرادة تماسكه وكيفيّة تماسكه، فهو يقدّم نصوصا متداخلة في إطار السورة الواحدة كما يقدّم نفسه بوصفه نصّا واحدا في إطار السور المتعددّة. ولكنه أيضا يرتدّ إلى بؤرة دلاليّة واحدة هي بؤرة التوحيد.

وأمّا بروز معنى ما وتغليبه على آخر، واختيار عنصر دال وتفضيله على سواه فأمر يختلف من عصر إلى عصر، لا بحسب التاريخ بوصفه مفهوما تعاقبيا للأحداث، ولكن بحسب الزمن بوصفه مفهوما آنيّا ملازما للأحداث. وإنّه ليختلف أيضا من قارئ إلى قارئ بسبب الظروف المحيطة، والقضايا المثارة، والاهتمامات الذاتيّة، ومع ذلك فإنّ اختيار عنصر من العناصر الدّالة على وجه من وجوه المعنى والتركيز عليه إنما يتم في إطار النظام القرآني ونسقه وليس على إطلاق الأمر، ألا وإنّه لنظام قائم في الوعي الباطن للكائن النصّي المتحوّل به. وبسبب هذه الإمكانات في بروز المعنى على اختلاف العصور والأشخاص فإنّ نصوص بعض الوحدات القرآنية يمكن أن تدخل في نموذجين أو أكثر من نماذج العلاقة ضمن ظرف معين. وهذه القراءة لا تلغي العناصر غير اللّغوية كالتاريخ وأسباب النزول وإنّما تحوّلها إلى عناصر لغويّة بحيث تبدو منتجا دلاليّا من منتجات النّص القرآني، وذلك لأن اللّغة عند ما تغادر نظامها لتدخل في نظام النّص فإنّها لا تبقى أداة ناقلة، ولكنّها تصبح ذاتا مبدعة لما تقول، فهي تحوّل العناصر غير اللغويّة لصالح النّص نفسه، الذي لا يعود معطى تاريخيّا أو ناتجا ثقافيّا ينتمي إلى الماضي، ولكنّه يؤسّس التاريخ ويؤثّر فيه، ويصنع الثقافة ويتجاوزها.

إنّ دلالة النّص تتجه إلى إقامة علاقات بنيويّة مع المحيط الخارجي، غير أنّه لا يمكن لعملها أن يفسّر إلّا من داخل النّص نفسه. والقرآن يسمح بنظام التبادل المستمر بين البنية من جهة، والحدث من جهة أخرى، وبين اللّغة بوصفها نظاما والكلام بوصفه إنجازا.

والقرآن بوصفه كلاما دالّا على ذاته ودالّا على مبدعه، يضع نفسه في قلب التواصل اللساني، فعمليّة الكلام في الخطاب القرآني تحتوي على عناصر التواصل الثلاثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت