وهذا المعيار الزماني يقصد به التنبيه على الظروف التي أحاطت بالمسلمين وبالدعوة الإسلامية آنئذ، فهم قبل الهجرة مستضعفون، محاصرون، قلّة، وبعد الهجرة صارت لهم دولة وأصبحوا أقوياء أعزّة، كما اختلفت الظروف المحيطة بهم من حيث ظاهرة النفاق، وعداء اليهود، وبهذا المعيار تكون سورة البقرة جميعها مدنيّة، ويدلّنا على
ذلك اعتبار الآية {= الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلََامَ دِينًا =} [1] مدنيّة مع أنّها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجّة الوداع [2] . وهذا التقسيم من أبرز الشواهد على الربط بين النصّ وسياقه، وفيه تجاوز لمكان النزول، وتحر لظروف النصّ أو سياقه لما له من أهميّة واضحة في تشكيل خطاب النصّ، فالمكان في زمان معيّن غيره في زمان آخر، فمكّة قبل الفتح غيرها بعد الفتح، وهكذا.
وقد اجتهد علماء القرآن في رصد الزمن الدقيق للنزول، ومثاله تتبّعهم للنهاري والليلي، بل في أيّ ساعة من ليل أو نهار، وأمثلة النّهاري كثيرة، قال ابن حبيب: = نزل أكثر القرآن نهارا = [3] . ومعظم سورة البقرة من النّهاري. وأمّا الليلي فمن أمثلته = آية تحويل القبلة = ففي الصحيحين: = بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: = إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة = [4] . وروى مسلم عن أنس = أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يصلّي نحو بيت المقدس فنزلت {= قَدْ نَرى ََ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمََاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا =} [5] ،
فمرّ رجل من بني سلمة وهم ركوع، في صلاة الفجر، وقد صلّوا ركعة، فنادى: ألا إنّ القبلة قد حوّلت، فمالوا كلّهم نحو القبلة = [6] . وبعض الصحابة يحدّد نزولها بين الظهر والعصر. ومنها خواتيم سورة البقرة قيل نزلت في ليلة الإسراء [7] . وفيما يتعلّق بزمن النزول
(1) سورة المائدة، الآية (3) .
(2) الزرقاني، مناهل العرفان، ص 195.
(3) السيوطي، الإتقان، ص 54.
(4) نفسه، ص 54.
(5) سورة البقرة، الآية 144.
(6) السيوطي، التحبير في علم التفسير، ص 132.
(7) نفسه، ص 134.