فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 509

قال الرازي: = لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعليّة، وشياطينهم بالجملة الاسميّة محقّقة (بأن) ؟ والجواب: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين لأنّهم كانوا في ادّعاء حدوث الإيمان منهم، لا في ادّعاء أنّهم في الدرجة الكاملة منه، إمّا لأنّ أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأنّ القول الصادر عن النفاق والكراهة قلّما يحصل معه المبالغة وإمّا لعلمهم بأنّ ادّعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين. وأمّا كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد، وعلموا أنّ المستمعين يقبلون ذلك منهم فلا جرم كان التأكيد لائقا به، وإذا سئل كيف تعلّق قوله {= إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ =} بقوله = إنّا معكم = الجواب هو توكيد له لأنّ قوله { (إِنََّا مَعَكُمْ) } معناه الثبات على الكفر. وقوله = {إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ} = ردّ للإسلام، وردّ نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه لأنّه من حقّر الإسلام فقد عظّم الكفر = [1] .

إنّ النّص يعبّر ليس عن الحال العام للموضوع فحسب، وإنّما يدخل إلى خلجات نفوسهم فيصوّرها عن طريق أدوات اللغة وأساليبها، إنّ حال المنافقين مع الدين متلوّن متبدّل يناسبه التغيير بالجملة الفعليّة لارتباطها بالزمن، ففي حال وجودهم مع المؤمنين يكونون في حال إيمان ظاهر وإذا تركوهم عادوا إلى الكفر، وأمّا حالهم مع أصدقائهم من الشياطين والكفّار فهو ثابت وهو الكفر وكراهية الدين، فعبروا عنه بجملة اسمية مؤكّدة = إنّا معكم =.

ومن أمثلته كذلك عند الرازي في تفسيره للآية {= لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللََّهِ خَيْرٌ =} قال: وأمّا قوله {= لَمَثُوبَةٌ =} [2] ففيه وجوه أحدها: أنّ الجواب محذوف وتقديره = ولو أنّهم آمنوا واتّقوا لأثيبوا إلّا أنّه تركت الجملة الفعليّة إلى هذه الاسمية، لما في الجملة الاسميّة من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها، فإن قيل: هلّا قيل لمثوبة الله خير؟ قلنا: لأنّ المراد

(1) تفسير الرازي، 3/ 69.

(2) سورة البقرة، الآية (103) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت