فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 509

الآخرة، ولا بدّ أن التعطيل قد بدأ بالجوارح (السمع والبصر) ولكن المشهد بدأ منذ النهاية على طريقة الاسترجاع فالابتداء باللقطة الأخيرة في المشهد يربط كلّ اللقطات السابقة بخاتمة محتومة لا يمكن دفعها بعكس المشهد الذي تتسلسل أحداثه تصاعديا، فإنه يجعل القارئ يطرح الاحتمالات ويرجوها، ويأملها، كما إن الآية انتهت بالمشهد الأخير زمنيا (الآخرة) حيث العذاب العظيم ففيه تناسب، وانسداد القلب ابتداء أدّى إلى انسداد الرحمة انتهاء وفي الآية تقديم وتأخير (وعذاب عظيم لهم) وذلك لأن الضوء مسلّط الآن على الفئة المستحقة للعذاب، فالسياق كلّه فيها من بدايته {= إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا =} .

وقد يتبادر إلى الذهن سؤال واحد عن سبب إسناد الختم إلى الله {= خَتَمَ اللََّهُ} = والجواب أن أولئك اختاروا الكفر (كفروا) ثم أصرّوا {= سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ} {لََا يُؤْمِنُونَ =} ، وأصرّوا إلى النهاية بدليل أنه مهما فعلت فإنّهم لا يؤمنون، ومن هنا جاء الختم على القلوب والأسماع والأبصار من الله نتيجة وليس حكما، فقد اختاروا أن تكون لهم جوارح معطلة فاستجاب الله لاختيارهم ثمّ ليبيّن لرسوله أن لا أمل يرجى في إيمانهم.

أمّا الفئة الثالثة وهم المنافقون فقد كانوا صورة جديدة على المؤمنين لذلك كان الأمر في حاجة إلى كشف وتنبيه مفصل لأحوالهم وسماتهم حتّى يحذرهم المؤمنون ويأمنوا كيدهم، أما السبب الدائم فهو أنّ المنافقون دائما وفي كل مجتمع أخطر من الأعداء الصرحاء، فهؤلاء موقفهم مكشوف، أمّا المنافقون، فهم يظهرون شيئا ويخفون شيئا آخر.

ولذلك فالسياق يضع العلامات الحمراء عليهم حتّى يتجنبهم السائر في الطريق، وعلى مدى (65) جملة. {= وَمِنَ النََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ =}

إذن فهي ثلاث عشرة آية و (65) جملة للفريق الثالث، فهذا النوع من المخاطبين تحكّم بحجم النصّ للأسباب التي ذكرنا، والصورة التي يرسمها السياق لهذه الفئة = ليست في شفافية الصورة الأولى وسماحتها، وليست في عتامة الصورة الثانية وصفاقتها، ولكنّها تتلوّى في الحسّ وتروغ من البصر، وتخفى وتبين = [1] . ولقد كانت هذه

(1) في ظلال القرآن، 1/ 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت