فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 509

وقد لاحظ اللّغويّون العرب أنّ الأحوال الاجتماعيّة والأدوات تؤثّر في أنماط الكلام، وأنواعه بحيث يكثر تداول ألفاظ معيّنة في مواقف خاصّة، ويقلّ تداول غيرها.

ومن ذلك أنّهم وقفوا على استخدام العرب ألفاظا مخصوصة في مخاطبات الملوك والأمراء، ولم يخاطبوهم بأسمائهم، بل دلّوا عليها، وأشاروا لهم بلفظ الغيبة إجلالا وتعظيما.

ووقفوا كذلك على ألفاظ لا يحسن التفوّه بها في المجالس، ومن هنا كانت بعض الألفاظ الموجودة في المعجم غير جارية في الاستعمال لأنّ العرف اللّغوي والاجتماعي لا يسمح باستعمالها. ونستطيع أن نلمح هذا في نظم المكاتبات والمخاطبات الرسميّة في العهود المختلفة للدولة الإسلاميّة، من مثل طرق مكاتبة الأدنى للأعلى، أو مخاطبة الوزير، أو الأشراف. وقد أودع (ابن شيت القرشي) في كتابه (معالم الكتابة) أمثلة عديدة على تدخّل العرف الاجتماعي في تحديد الوحدات اللغويّة المستخدمة في المواقف المختلفة.

وفي الدرس الصوتي يتنبّه اللّغويّون العرب لأثر السياق في البعد الصوتي للكلام، وذلك على مستويين: مستوى داخلي، فالفونيمات حين تلتقي في البنية اللفظيّة تؤثّر في بعضها بعضا، ويلقي هذا التأثير بثقله على الأصوات اللغويّة فتتباعد وتتقارب.

ويذكر ابن فارس في الصاحبي أنّ بعض الحروف تألف الاجتماع في كلمات، وبعضها يأنف ذلك بحسب المخارج فالعربيّة تميل إلى تجنّب الألفاظ التي تتألّف من حروف متباعدة المخارج مثل (هحخع) [1] . ومستوى خارجي: وذلك بأن تكون تشكيلات الأصوات المؤلّفة للألفاظ موافقة للسياق اللّغوي المجاور لها، وموافقة للمقام الذي تتشكّل فيه، ومن ذلك حديثهم عن كلمة (مستشزرات) في معلّقة امرئ القيس، ومناسبتها للسياق الذي وردت فيه، على الرغم من تقارب مخارج حروفها فالسياق الذي وردت فيه هو وصف غدائر الحصان (غدائره مستشزرات إلى العلا) ، وما فيه من إيحاء التطاير والعلوّ والتفاعل مع حركة الفرس والفارس معا.

(1) الخصائص، 2/ 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت