بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، وصلّى الله تعالى على نبيّه ورسوله محمد وآله الطيبين بكرة وأصيلا.
ما جرى به القلم في الحديث عن علم من أعلام القرون الأولى من عمر هذه الأمة الرائدة في الخير والعلا إلّا غصّ بريقه وتلعثم الحديث على شفتيه. فمن أين يبدأ الكلام، ولكل موضع من حياته بداية وأي بداية. إن أعلام هذه القرون أعلام شوامخ تسامي السماء، وتتلفّع بالسحاب، وينحسر النظر دون ذراها، وتنقطع الأنفاس في أول السبيل إليها. فهم أقمار تمّ بدور في ليالي سرار للأجيال من بعد ذلك، معالم هدى، وأئمة تحتذى، ومثار همم للعلا.
وحسب هذه الترجمة لأبي عمرو الداني أن يشهد له بما قال في جانب واحد من جوانب حياته العلمية الحافلة وهو [1] «ما رأيت شيئا قطّ إلّا كتبته ولا كتبته إلا حفظته ولا حفظته فنسيته» . وقال الإمام أبو عبد الله الذهبي في شأنه وطول باعه في ما أجاد واضطلع به [2] : «إلى أبي عمرو المنتهى في تحرير علم القراءات وعلم المصاحف مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو وغير ذلك» .
أوّلا (أ) اسمه ومولده وشهرته:
وإذا كان مشتهرا بكنيته «أبو عمرو الداني» فقد اشتهر من قبل بنسبته إلى أبيه وهي «ابن الصيرفي» ، وذلك قبل أن ينزل دانية ويستقرّ بها حتى وفاته. واسمه عثمان بن سعيد بن عثمان الأموي كما ذكر بلديّه ابن بشكوال. وهو من موالي بني أميّة. وقد ذكر عن أبيه تاريخ
(1) انظر سير أعلام النبلاء 11/ 166
(2) انظر سير أعلام النبلاء 11/ 167