مولده وهو سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة. ولعل في ما ذكره ابن بشكوال توضيحا لموطن نشأته إذ قال: إنه من أهل قرطبة من ربض قوته راشه منها [1] .
ويمتاز أبو عمرو بما امتازت به هذه الطائفة التي يسعدها أن تعطي وتهب في كل حال، لا تمسك ولا تحرم من يطلب ما لديها بل تقدّر أن آخرين من بعدهم سوف يسألون عن أشياء ويرغبون في الوقوف على جوانب من حياتهم التي يغفلها كثيرون، وهي في الوقت نفسه تمدّ المترجمين والباحثين بنور من معرفة، تكشف عن كثير من خفايا أخبارهم. ومن ذلك تواريخ بدئهم طلب العلم والرحلة له. فأبو عمرو يذكر أن ابتداءه للطلب كان في سنة ست وثمانين وثلاث مائة، وأن رحلته له، وكانت إلى المشرق، في سنة سبع وتسعين [2] .
وكانت الرحلة لدى أهل المغرب الإسلامي شرطا أدبيا يلزم طالب العلم نفسه به، ولا يجد أنه يستحق التصدر لما اختصّ به من العلم إلّا إذا حقّق هذا الشرط. وكانت الرحلة إلى المشرق، أي مشرق العالم الإسلامي، وهو في عرف المغاربة كما قال الذهبي مصر وما بعدها من الشام والعراق وغيرها.
وهو في رحلته التي أمضى فيها سنتين، قد أمضى منها في القيروان مدّة أربعة أشهر أنفقها في الكتابة. ثم دخل مصر وأمضى بها سنة، ثم حجّ، ثم عاد ودخل الأندلس سنة تسع وتسعين.
ولم تقتصر رحلته على المشرق بل طوّف أيضا ببلاد الأندلس ونزل بأستجة وبجّاية وسرقسطة ليسمع من شيوخها [3] وذكر أبو عمرو نفسه في ما روى عنه مترجموه أنه سكن سرقسطة سبعة أعوام ثم رجع إلى قرطبة ثم قدم دانية سنة سبع عشرة وأربع مائة، وبقي فيها حتى وفاته [4] .
(1) انظر الصلة 385.
(2) انظر معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار 326.
(3) انظر الصلة 385.
(4) انظر سير أعلام النبلاء 11/ 165/ أ.