المستَنْكَرَ اعتقادُ القولين معًا في حالة واحدة، كما يستحيلُ كون الشيءِ على ضدين مِن الحدوثِ والقِدَمِ؛ ومعلومٌ أنَّ الإمامَ الشافعي لا يريدُ هذا، ولقولِه مخارج، ثمَّ ساقوا عددًا منها (1) .
الأمر الرابع: لم يقل الإمامُ الشافعي، ولم يُنقلْ عنه أنَّه قال في مسألةٍ واحدةٍ: لي فيها قولانِ، بل الثابتُ عنه أنَّه يقولُ: في المسألةِ قولانِ، ونحو هذه العبارة (2) ، وفرقٌ بين العبارتين.
وقد نَسَبَ مجدُ الدين بنُ تيمية وغيرُه إلى الإمامِ الشافعي القولَ بجوازِ أنْ يقولَ المجتهدُ في شيءٍ واحدٍ ووقتٍ واحدٍ بقولين مختلفين (3) .
ويظهرُ لي أنَّ نسبةَ هذا القول إلى الإمامِ الشافعي لا تخلو مِنْ نظرٍ ظاهرٍ؛ إذ لم يصرِّح الإمامُ الشافعي بجوازِ قولِ المجتهدِ في مسألةٍ واحدةٍ بقولين مختلفين، وإنَّما قال في بعض المسائل: إنَّ فيها قولين، وهذه العبارةُ محتملةٌ، فلا يصحُّ أنْ يُنسبَ إلى الشافعي أمرٌ محالٌ.
وقد ذَكَرَ بعضُ الأصوليين أدلةً دالةً على منعِ قولِ إمامِ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - تكلموا في الفقهِ، وكثرت المسائلُ المنقولةُ عنهم، ولم يُحكَ عن واحدٍ منهم أنَّه قالَ في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولانِ.
= الأدلة في أصول الكلام، ومشكل الحديث وبيانه، وتفسير القرآن العظيم، توفي سنة 406 هـ.
انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ 232) ، وإنباه الرواة للقفطي (3/ 110) ، ووفيات الأعيان لابن خلكان (4/ 272) ، وسير أعلام النبلاء (17/ 214) ، والوافي بالوفيات للصفدي (2/ 344) ، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (4/ 127) ، وطبقات الشافعية للإسنوي (2/ 266) ، وطبقات المفسرين للداوودي (2/ 132) .
(1) انظر: البحر المحيط (6/ 119) .
(2) انظر: حقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ 282) ، والمحصول في أصول الفقه للرازي (5/ 393) .
(3) انظر: المسودة (2/ 829) .