فمَنْ قال في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولانِ، فقد خالفَ الإجماعَ (1) .
مناقشة الدليل الأول: لا نُسلّمُ انعقادَ إجماعِ الصحابةِ - رضي الله عنهم - على المنعِ مِنْ قولِ: فيها قولان، في مسألةٍ واحدةٍ؛ إذ اتفاقهم على تركِ العبارةِ السابقةِ، لا يدلُّ على منعِها؛ إذ هم لم يصرحوا بالمنعِ (2) .
الدليل الثاني: أنَّ قولَ القائلِ بقولين متنافيين محالٌ عقلًا، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا قبل قليلٍ.
الدليل الثالث: لا يخلو أمرُ القولين اللذين قالهما إمامُ المذهبِ في وقتٍ واحدٍ مِنْ ثلاثةِ أحوال: إمَّا أنْ يكونا صحيحين، وإمَّا أنْ يكونا فاسدين، وإمَّا أنْ يكون أحدُهما صحيحًا والآخرُ فاسدًا.
فالأول - أن يكون القولانِ صحيحينِ: غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الشيءَ الواحدَ لا يجوزُ أنْ يكونَ حلالًا حرامًا؛ لأنَّ الحقَّ واحدٌ، والضدانِ لا يجتمعانِ.
والثاني - أنْ يكونَ القولانِ فاسدين: غيرُ جائزٍ أيضًا؛ لأنَّهما لو كانا عند القائلِ فاسدين لما حكاهما، ولَوَجَبَ عليه أنْ يبيّنَ وجه فسادِهما، فالقولُ بهما حرامٌ.
والثالث - أنْ يكونَ أحدُ القولين صحيحًا والآخر فاسدًا: غيرُ جائرٍ؛ لأنَّه لو كانَ الأمرُ كذلك لبيَّنَ إمامُ المذهبِ أمرَه، أو رجّحه بنوعٍ مِنْ أنواعِ الترجيحِ (3) ، ثمَّ لا يخلو حال المتكلمِ مِنْ أحدِ أمرين: إمَّا أنْ يعلمَ أنَّ أحدَ القولين صحيحٌ، وإمَّا أنْ لا يعلمَ ذلك.
(1) انظر: العدة (5/ 1611) ، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (3/ 415) ، وقواطع الأدلة (5/ 63) ، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 358 - 359) ، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/50) .
(2) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (3/ 415) .
(3) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 359) ، والتحبير (8/ 3955 - 3956) ، وشرح الكوكب المنير (4/ 492 - 492) .