وغيرُ خافٍ على أحدٍ أهميةُ التدوينِ، إذ وجودُ الثروةِ المذهبيةِ مؤذن بوجودِ حلولٍ لأكثر المسائل (1) ، وكم مِنْ مذهبٍ اندثرَ، ولا يُعْلَم ما له مِنْ مدوّناتٍ.
الأمر الثاني: التخريجُ الفقهي (2) .
ممَّا هو معلومٌ أنَّ النوازلَ والحوادثَ لا تنتهي، ولا يُمكنُ لأحدٍ مِن الأئمةِ أنْ يُقرّرَ أحكامًا لكل الحوادثِ التي ستقعُ (3) ، فإذا كان في المذهب مَنْ يقومُ ببيانِ أحكامِ النوازلِ في ضوءِ مذهبِه بالتخريجِ على فروع مذهبِه أوَ على أصولِه: نَمَا المذهبُ، ونموُّه يكفلُ بقاءَه واستمرارَه (4) .
يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة:"إذا كان الاجتهادُ بالتخريجِ ... لا ينقطع أبدًا؛ لأنَّ الفتوى لا تنقطعُ - وهو شرطها - فإنَّ المذهبَ الذي يُقررُ فقهاؤه ذلك في نماءٍ مستمرٍ، واتصالٍ بالحياةِ دائم" (5) .
وممَّا له صلةٌ بالتخريجِ الفقهي: أنْ يكونَ في التخريجِ سهولةٌ ومرونةٌ بحيثُ لا يلقى المتمذهبُ عَنَتًا ومشقةً أثناءَ قيامِه بتخريجٍ أحكامِ النوازلِ في مذهبِه.
وكذلك تخريجُ أصولِ المذهبِ مِنْ فروعِه، فقد قامَ بعضُ التلاميذِ النجباءِ بتخريجِ أصولِ مذهبِهم مِن الفروعِ الفقهيةِ المنقولةِ عن أئمةِ المذهبِ، ولوجودِ أصولٍ للمذهبِ أثرٌ بالغٌ في بقائِه واستمرارِه.
(1) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ 303) .
(2) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ 397) ، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (1/ 90) ، وابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (1/ 172) ، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (1/ 231) .
(3) انظر: الشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ 320) .
(4) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ 384 وما بعدها) ، ومالك - حياته وعصره له (ص/ 350) .
(5) مالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ 357) . وانظر: الموافقات (5/ 12) .