النوع الأول: الترجيحُ مِنْ جهةِ الرواية.
قد يختلفُ النقلُ في بعضِ المسائلِ عن أئمةِ المذاهبِ؛ إذ الناقلون عن الأئمة كُثُرٌ، وقد يحصلُ الاختلافُ بينهم - لأيِّ سببٍ: كتجدّدِ الاجتهادِ، وخطأِ الناقلِ، ونحو ذلك - فكان مِنْ عملِ بعضِ علمَاءِ المذهبِ قيامُهم بالترجيح بين الرواياتِ المختلفةِ عن إمامِهم، فرجَّحوا ما اطمأنتْ أنفسُهم إليه، كأنْ يُرَجَّح ما نَقَلَه واحدٌ بعينِه مِنْ علماءِ المذهبِ على غيرِه مِنْ أرباب مذهبِه؛ لمزيَّةٍ فيه، أو يُرَجّح ما نَقَلَه الراوي الأكثر ثقةً على سائرِ الرواة فيمَا لو خالفوه (1) .
النوع الثاني: الترجيحُ مِنْ جهةِ الدراية.
ممَّا هو واقعٌ في أغلب المذاهبِ - إنْ لم يكن في جميعِها - أنْ يُنْقَلَ عن إمامِ المذهب في مسألةٍ وَاحدةٍ أكثرُ مِنْ قولٍ، أو أنْ يختلفَ قولُ الإمامِ مع قولِ بعضِ أرَبابِ مذهبِه، ففي مثلِ هذه الأحوالِ تقومُ طائفةٌ مِنْ علماءِ المذهب العارفين بأصولِه، وطرقِ الاستنباطِ فيه، بالترجيحِ بين هذه الاختلافَاتِ في ضوءِ ما يتفق وأصولَ مذهبِهم (2) .
وقد ظَهَرَ نتيجةَ للترجيحِ بين الأقوالِ رواياتٌ وأقوالٌ وأوجهٌ ضعيفةٌ،
= للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ 124 - 125) ، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (1/ 113) .
(1) انظر: المصادر السابقة، ومعالم السنن للخطابي (1/ 8) ، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ 139) ، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ 148) ، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ 278) ، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ 23) .
(2) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ 332) ، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (1/ 209) ، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ 98) ، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ 179) ، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ 317) ، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ 279) ، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (1/ 114) .