فمن الأزواج من قلَّ حظُّه من الوفاء؛ فلا همَّ له من زوجته سوى نصيبه منها؛ فلا يحفظ حقها إلا ما دام راغبًا فيها، وما دامت في شرخ شبابها، وغضارة نضارتها، وكامل صحتها، ووفرة ما لها.
فإذا ما كبرت، أو مرضت، أو افتقرت _أعرض عنها، ونسي ما كان من سالف الود بينه وبينها، ولم يقدِّر لها صبرها عليه، وقيامها بحقه.
ومن قلة الوفاء أن يطلِّق الرجلُ زوجته إذا مرض مرضًا يخشى منه الموت؛ كي يحرمها من الميراث.
ومن ذلك أن يسافر عنها كثيرًا دونما حاجة للسفر.
إلى غير ذلك من صور قلة الوفاء التي تدل على لؤم الطبع، وقلة الرعاية لحفظ الذمام.
أما كرام الناس، وأهل الوفاء منهم _فإنهم يحفظون الود، ولا ينسون الإحسان مهما تقادم عليه الزمان.
ومن أولى ما يُعْنَون بحفظه حق الزوجات اللواتي وهبنهم البر، والإخلاص، وحسن المعاشرة؛ فترى أولئك الكرام يحفظون عهود الود، فيذكرون زوجاتهم بالخير، ويدعون لهن، ويقفون إلى جانبهن بالمواساة إذا مرضن، أو كبرن، أو أصبن ببلية، بل ويحفظون حقهن بعد مماتهن.
فهذا سيد الخلق أجمعين نبينا محمد _ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم _ كان حافظًا ودَّ زوجته أم المؤمنين خديجة _ رضي الله عنها -.
فبعد أن ماتت، وتزوج بعائشة وغيرها من ذوات الجمال والشرف _رضي الله عنهن_ لم ينس خديجة، وما لها من سابقة في الإسلام، ونفقة في سبيل الله؛ فلقد كان كثرًا ما يلهج بذكرها، والثناء عليها.
بل لقد كان _ عليه الصلاة والسلام _يتعاهد صديقاتها بعد موتها، وربما ذبح الشاة، فقطعها، ثم يبعثها إليهن، وكان يُذَكِّرهن بالهدية والصدقة برَّ خديجة، وإحسانها الذي ألفوه منها، وعرفوه عنها، فيترحمون عليها، وينقلون الحديث عن كرمها وجودها (1) .
حتى لقد بلغ من كثرة ذكره لخديجة _ رضي الله عنها _ أن غارت منها عائشة _ رضي الله عنها_ مع أن خديجة ماتت قبل أن يتزوج النبي"عائشة بثلاث سنين."
(1) انظر إصلاح المجتمع للبيحاني ص 307.