ولهذا عقد الإمام البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: =باب لا يطرق أهله ليلًا إذا أطال الغيبة؛ مخافة أن يخَوِّنهم، أو يلتمس عثراتهم+.
ثم ساق حديثين في ذلك، قال: =حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا محارب بن دثار، قال سمعت جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنهما ـ قال: =كان النبي"يكره أن يأتي الرجل أهله طروقًا+ (1) ."
ثم ساق البخاري×الحديث الثاني بسنده فقال: =حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبدالله، أخبرنا عاصم بن سليمان عن الشعبي أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: =قال رسول الله": =إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلًا+ (2) ."
قال ابن حجر×: =قال أهل اللغة: الطروق بالضم: المجيء بالليل من سفر أو من غيره على غفلة، ويقال لكل آتٍ بالليل طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازًا+ (3) .
ثم قال×في معرض كلامه عن فوائد الحديثين الماضيين: =وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم+ (4) .
فالغيرة عاطفة سامية من عواطف الحب الحقيقي، تدفع الزوج إلى المحافظة على زوجته، وتدعو الزوجة إلى الاحتفاظ بزوجها.
والغيرة شيمة من شيم الرجال الكريمة، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تضعف عند الرجل ولو كان لا يحب زوجته؛ فهو يغار عليها ما دامت في عصمته.
والغيرة ـ كذلك ـ تشعر الزوجين بالحب، وتحثهما على تجديده، وتنميته، ورعايته.
وإنك لترى إلى اليوم كيف يغار المرء من ذكر اسم زوجته أمام الناس، فيكني عنها بالبيت، أو بالجماعة، فيقول ـ مثلًا ـ في البيت لا يرضون بذلك، أو يقول: الجماعة يقولون كذا وكذا، ويريد بذلك الزوجة. (5)
وفي مثل هذا المعنى يقول البهاء زهير:
وأنَزِّهُ اسمك أن تَمُرَّ حروفُه ... من غيرتي بمسامع الجلاَّسِ
(1) البخاري (5243) .
(2) البخاري (5244) ، ومسلم (715) .
(3) فتح الباري لابن حجر العسقلاني 9/ 251.
(4) فتح الباري 9/ 252.
(5) انظر الرجل والمرأة في الإسلام د. محمد وصفي ص 208.