فمن الأولياء من لا يقصر في المبادرة إلى تزويج موليته، ولكنه يقصر في اختيار الزوج المناسب، فتراه لا يختار لها الكفؤ الذي يُرضى دينُه وخلقه، إما قلة اهتمام بأمر موليته، وإما رغبة من التخلص من تبعتها وبقائها عنده، وغما طمعًا في المال الذي سيأتيه إذا زوَّجها من غني، وإما رغبة في الوجاهة والمنصب والسمعة إذا تقدم لها من هو كذلك، وغما رغبة في زوج ذي شهادة، أو حسن هندام، أو حسب رفيع، أو ترفع واسع، إلى غير ذلك من الاعتبارات.
أما الدين القويم، والخلق الكريم فلا يخطر بباله، ولا يدور بخياله.
ولهذا ربما زوجها بتارك للصلاة، أو بشرس الأخلاق، أو بمدمن مخدرات.
ولا ريب أن السؤال عن المنصب، والمكانة الاجتماعية، والحسب الرفيع ونحوها من الاعتبارات الأخرى، لا ريب أنها مطلوبة، ولا ترفض من حيث هي، ولا تُنَحَّى من مجال البحث والمفاضلة والاختيار؛ فلا حرج على البحث أن يسأل عن هذه الأمور أو جُلِّها.
لكن الحرج كله أن تكون وحدها هي المُحَكَّمَةَ في المفاضلة والموازنة والترجيح دون اعتبار للدين والخلق.
فلا بد من اعتبار الدين والخلق، فإذا توفر هذا الاعتبار عَمَد المرءُ إلى النظر في الاعتبارات الأخرى (1) .
جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله"وذكرت له أنه خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم _رضي الله عنهما_."
فقال رسول الله": =أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، أما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد+."
قالت فاطمة: فكرهته، ثم قال": =انكحي أسامة+."
قالت فاطمة: فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، واغتبطت+ (2) .
فالحديث واضح في أن رسول الله"ذكر من أسباب المفاضلة ناحية المال، والسلوك والمعاشرة، ولكن ذلك بعد توافر الدين."
(1) انظر نظرات في الأسرة المسلمة ص 60_61.
(2) رواه مسلم (1480) ، وأبو داود 2/ 383، والنسائي 6/ 61، ومالك 2/ 580، وأحمد 6/ 412، والترمذي 2/ 192.