فعندما يكونان من الأهل تبقى هذه الأسرار في طي الكتمان، ولا يتحرج كل من الزوجين
من إبدائها للحكمين.
فهذه مراحل تأديب الزوجة الناشز؛ فإذا نجح الحكمان في الإصلاح فبها ونعمت.
أما إذا أخفقا فإن ذلك دليل على أن الأمر قد وصل إلى حال لا ينفع معها إلا الانفصال؛ تخلصًا من واقع لا يعود على الزوجين وأولادهما _ إن كان لهما أولاد _ إلا بالضرر والفساد.
فلا علاج _ إذًا _ إلا بالفراق؛ خُلعًا كان أو طلاقًا؛ فالخلع يقع من الزوجة عن عوض تسلمه للزوج مع إثمها إن كانت ظالمة.
وأما الطلاق فيقع من الزوج وهو غير آثم فيه إلا إن كان واقعًا عن ظلم (1) .
ومن هنا يتبين لنا عظم الشريعة الإسلامية؛ حيث ضيقت الخناق على الطلاق؛ ويتبين لنا مدى استعجال كثير من الناس وجهلهم في شأن الطلاق.
ولو أنهم فقهوا الطلاق والحكمة منه لطويت عن المحاكم قضايا لا تحصى كثرة.
مر في الفقرة الماضية عظم شأن الطلاق، وذمُّ الاستعجال في شأنه.
وكما أن هناك من يُفَرِّط فيستعجل في شأن الطلاق فهناك من يفرط من جهة أخرى، فيمنع الطلاق، ولا يُقْدم عليه مهما كان الوضع، ومهما توافرت دواعيه.
والحق قوام بين ذلك؛ فلا الاستعجال في شأن الطلاق المحمود، ولا تركه إذا توافرت أسبابه ودعت الحاجة إليه بالأمر المحمود كذلك.
إن الطلاق لم يشرع في الإسلام ليكون يمينًا تؤكد به الأخبار، ولا أليَّةً (2) يكرم بها الضيوف، ولا وسيلة يحمل بها المخاطب على فعل شيء أو الامتناع عنه؛ فذلك انحراف في مفهوم الطلاق.
(1) انظر مجموع الفتاوى 32/ 274_281، ونداء للجنس اللطيف ص 44_50، والهداية الإسلامية ص 58، وعيون البصائر للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ص 328_331، وصفة الزوجة الصالحة ص 33_34، والطلاق بين التشريع والواقع 29_31.
(2) الألية: القسم واليمين.