ثم إن الخاطب في تلك الفترة الطويلة قد يمل مخطوبته، وربما تاقت نفسه إلى غيرها قبل أن يعزم عقد النكاح، فيدع مخطوبته بعد تلك الفترة.
ومن هناك لنا وجه الخطأ في خلوة الخاطب بمخطوبته، وخروجه معها ويتبين _ أيضًا _عظمه الإسلام في هذا الشان؛ حيث اتخذ موقفًا حكيمًا وسطأً يحقق الخير للطرفين دون أن يلحق ضررًا أو أذىً بأي منهما؛ فأباح للخاطبين أن يرى كل منهما الأخر ضمن ضوابط تصون سمعة الفتاة، وتسمح للخاطب أن يتقدم وهو على بينةٍ من أمره.
ثم إن الكشف عن أخلاق الطرف الأخر يمكن التعرف عليها ممن جاور الفتاة، وأهلها، أو عرفهم عن طريق الصداقة أو القرابة (1) .
فغلاء المهور من قواصم الظهور، تلك المصيبة التي أكثرت العوانس في البيوت، وأكثرت شبابًا عزابًا من المسلمين؛ فغلاء المهور حجر عثرة في طريق الزواج.
وكم من عانس جلست عالة على أهلها تعاني الأمَرَّين، والسبب أن والدها فرض شروطا مالية هي أشبه بالآصار والأغلال؛ حيث جعل ابنته سلعة تجارية، وميدانا للتفاخر والمزايدات.
ولئن سالت كثير من العزاب: لم لا تتزوجون؟ ليقولن: كيف نتزوج من هذه الشروط المرهقة، التي تجلب الإفلاس على الأغنياء، فكيف بالفقراء من أمثالنا؟
وإن كثر من هؤلاء لصادق، وإن عذرهم لَبينِّ، ولا وملامة عليهم بذلك.
وإنما اللوم على هؤلاء الذين حكَّموا العوائد، ونبذوا هداية الدين، وإرشادات العقل، وشهادة الواقع.
ولو أننا وقفنا عند حدود الله، واتبعنا ما كان عليه سلفنا الصالح، ويسرنا ما عسَّرته العوائد في أمور الزواج لما وقعنا في المشكلة.
لكننا عسَّرنا اليسير، وحُكَّمنا العوائد في مسألة مهمة كهذه، فأصبح الزواج الذي جعله الله سكنًا وألفة ورحمة _ سبيلًا للقلق، والبلاء والشقاء.
(1) انظر الطلاق والعدة بين التشريع والواقع لمحمود إبراهيم بزال ص 16_19، وأحكام الزواج ص 58.