بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها ... تنال إلا على جسر من التعب
بل إن كثرة الفراغ والبطالة من أعظم ما يقعد بالهمة، ويورث الغم والقلق.
لا ريب أن للزوجة على الزوج حق إكرامها، ومن إكرامها إسكانها في مسكن منفرد.
يقول الكاساني ×: =لو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها أو مع حماتها كأم الزوج أو أخته وبنته من غيرها وأقاربها فأبت _ عليه أن يسكنها في مسكن منفرد؛ لأنهن ربما يؤذينها ويضررنها في المساكنة، وإباؤها دليل الضرر+ (1) .
ولكن قد تقتضي الحال بأن يسكن الزوج مع والديه، أو أن يحتاج والداه إلى السكنى معه في منزله.
والزوج مطالب ببر والديه، والإحسان إلى زوجته.
ولكن بعض الزوجات لا تعين زوجها على ذلك، فتريد أن تستأثر به، فلا يكون لأحد سواها نصيب منه.
بل ربما تعدى الأمر ذلك، فقامت بإيذاء والديّ زوجها، والإيذاء يأخذ صورًا كثيرة؛ فمن ذلك رفع الصوت عليهما، والتأفف من أوامرهما، وقلةُ التودد لهما، وقلة المراعاة لمشاعرهما.
ومن ذلك إذلالهما واحتقارهما، وكثرة ذمهما، وتمني الخلاص من العيش معهما، وإغراء الزوج بعقوقهما.
ومن ذلك تصيُّدُ الزلات عليهما، وتضحيم الأخطاء، بل والافتراء والكذب عليهما.
ومن ذلك الغيرة من الأم، ومعاملتها على أنها منافسة لها، وشريكة معها في زوجها، إلى غير ذلك من أنواع الأذية.
وإذا أرجعنا البصر في أسباب ذلك وجدناها ناتجة عن قلة التقوى، وسوء التربية، وضعف العقل.
كذلك تنتج هذه المعاملة عن ضيق العطن، وصغر النفس؛ فالنفوس تختلف سعة وضيقًا، كما تختلف الحجر والمنازل والأماكن؛ فمن الناس من تضيق نفسه حتى تكون كَسَمّ الخِيَاط، ومنهم من تتسع نفسه حتى تشمل العالم وما فيه.
فما ثمرة تلك المعاملة من الزوجة؟ إنها تَنَغّصُ عيشتها وعيشة من تعاشره؛ فلا الزوجة تسعد، ولا زوجها ولا والداه.
(1) بدائع الصنائع للكاساني 2/ 23.