وبعضهم يخرج من عمله بين الفينة والأخرى، وفي أوقات غير متوقعة؛ ليراقب منزله، ويتأكد من أن زوجته لم تسلك سبيلًا محرمًا.
وبعضهم يراقب الهاتف مراقبة دقيقة، ويسجل جميع المكالمات؛ خوفًا من أن يكون لزوجته علاقة بغيره.
وربما بالغ بعضهم، فهاتَفَ المنزل، وغيَّر صوته؛ ليرى هل تتمادى زوجته في الحديث معه، بل ربما أوصى من يقوم بذلك.
وبعضهم إذا سمع بوق سيارة فزع مذعورًا؛ لظنه أنها قد اتفقت مع شخص آخر.
وبعضهم يتهمها بأن لها علاقة مع غيره إذا رأى منها تمنعًا أو قلة مبالاة في بعض الأحيان.
وبعضهم قد يهوي في الحضيض، فيشك بأنها قد حملت منه، وربما اتهمها بأن الحمل من غيره.
كل ذلك من غير ما برهان أو بينة، وإنما هو من تسويل الشيطان لبعض النفوس الجاهلة؛ كي تشتد في الغيرة أكثر مما أمر الله؛ فكم وقع من قتل، وطلاق، وأذى، بسبب سوء ظنٍّ لا تثبت له قدم بعد التثبت والتحقيق. (1)
فيا أيها الزوج الكريم لا تسترسل مع الأوهام، ولا تُفْرغْ قلبك لمثل هذه الوساوس، وأحسن ظنك بزوجتك التي أقدمْتَ على الاقتران بها بطوعك واختيارك، واعلم بأنها إذا أرادت الخنا سلكت سبيله؛ فما لم تظهر لك الأماراتُ البيناتُ التي لا تقبل التأويل ـ فلا تلتفت إلى ما يجول في خاطرك من الأوهام والخيالات.
بل يحسن بك إذا سمعت عنها ما يسوؤك ألا تستعجل في الحكم، بل تثبت، وتأنَّ، واصبر؛ فربما كان ذلك صادرًا من مغرض يريد هدم بيتك الآمن.
ولا يعني حسن الظن بالزوجة قلة الغيرة، وإلقاء الحبل على الغارب.
وإنما المطلوب ـ كما سيأتي في الفقرة التالية ـ أن يعتدل الزوج في الغيرة؛ فلا يتغافل عما تخشى عواقبه، ولا يبالغ في إساءة الظن، والتعنت، والتجسس (2) .
وبالجملة فالتحسس والمبالغة في الغيرة أمر لا يقره دين ولا عقل.
(1) انظر أخلاقنا الاجتماعية للسباعي ص 150_151.
(2) انظر جوامع الآداب للقاسمي ص 36.