الأول: الصوت: نعمة أنعم الله بها على عبادة, و (( حُسن الصوت خِلقة ) )نعمة أخرى, يتفضل الله بها على من يشاء من عباده, مثل: نعمة الجمال, ونعمة القوة, ونعم: الجاه, والمال, والسلطان, وهكذا.
ويقتضي شكر البعد لأي من هذه النعم, استعمالها فيما هو طاعة لله, ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - كاستعمال نعمة الصوت في: قراءة القرآن.
والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه, وتحزينه, والتخشع به, حَوَالَة على الوازع الباعث الجاري على وفق الفطرة, ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب. قال طاووس: (أحسن الناس صوتًا بالقرآن: أخشاهم لله) رواه أبو عبيد. قال ابن كثير في (( فضائل القرآن ص / 125, 126 ) ): وهو في معنى حديث مرفوع نحوه [1] . (والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبُّر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة.
فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب. وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإِمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: حدثنا نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن حصين بن مالك الفزاري, قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان, قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها, وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين, وسيجيء قوم من بعدي يرجِّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح, لا يجاوز حناجرهم, مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ) ). وحدثنا يزيد عن شريك عن أبي اليقظان عثمان بن عمير عن زاذان أبي عمر عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يزيد لا أعلمه إلا قال عابس الغفاري فرأى الناس يخرجون في
(1) انظره في: صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص / 93.