(( صوتان ملعونان: صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار عن نعمة ) )رواه البزار. من حديث أنس رضي الله عنه. والتحريم للصوت - فضلا عن الحسن - في (( الغناء ) )كالتحريم لاستعمال حسن الصورة, والجمال في (( الفواحش ) )والتلذذ بالنظر إليها. وبهذا تعلم: أن النِّعم, مِحَنٌ, والسعيد من استعملها في طاعة الله.
وعليه: فالصوت نعمة, وحُسْنُه خلقه: فضيلة لا يجوز استعمالها في منهي عنه, ومن شُكرها استعمالها في طاعة الله.
الثاني: أن الصوت حسنًا كان أو فظيعًا خِلْقة لم يعلق الله عليه مدحًا ولا ذمًا, لأنه ليس فعلًا للعبد وإنما يذم العبد ويمدح بأفعاله الاختيارية, فمن كان صوته غير حسن - مثلا - فإنه لا يذم على ذلك, ويذم بما يكون باختياره كرفع الصوت الرفع المنكر, كما يوجد ذلك في أهل الغلظ والجفاء من الفَدَّادِيْنَ والصخَّابين في الأسواق. وفي صفة النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ليس بفظ, ولا غليظ, ولا صخَّاب في الأسواق ) ). وقال تعالى عن لقمان في وصيته لابنه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19] . فأمره أن يغض من صوته, وأن يقصد في مشيه, كما أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم. [1] وحسن الصورة أو قبحها, وحسن الصوت أو قبحه, يكون كل منها علامة على الذم كما قال الله في المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون:4] . وقال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة:204] . وعلى هذا: فالصوت المجرد لا يعلق عليه: شيء من الحب والبغض, الذي هو ملاك الأمر والنهي.
الثالث: أن يكون الصوت الطبعي خِلْقة: حسنًا لذيذًا, مطربًا أمر يدرك بالإِحساس, ويشترك فيه جميع الناس, والإِنسان مجبول على محبة الحسن وبغض السيء. إذًا: فالفضيلة في (( حسن الصوت ) )معلقة على استعماله فيما هو طاعة لله تعالى, فإذا استعين بهذه الفضيلة على ما أمر الله به
(1) انظر: السماع لابن القيم ص / 354 , والاستقامة لابن تيمية 1/ 334, 335.