فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 285

وقد حذر المولى في سياق الآية السابقة من طاعة مثل هؤلاء المجادلين بالباطل {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [1] فهذا نكير كبير على من أطاع أهل الجدل بالباطل، فاتبعوا ما أرادوا من قلب حقائق هذا الدين، فقد أخرجهم الحق سبحانه من الدين الحق، إذ لم يعودوا يستحقون الانتماء إليه بصنيعهم هذا، وقد نفَّر ديننا الحنيف من الجدل وكثرته حتى وإن كان الإنسان محقًا لما يفضي إليه كثرة الجدل من الخلاف والتنازع وإثارة الشكوك، ولكون هذه الصفة هي لصيقة بأولياء الشيطان، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة:"المراء في القرآن كفر" [2] فهذا تنفير شديد من المجادلين في دين الله وآياته، ومن جهة أخرى يبشِّر صلى الله عليه وسلم مَن ترك المراء ببيت في الجنة، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه" [3] ، والأحاديث في فضل ترك المراء كثيرة.

وقد ساق الحق سبحانه في كتابه العزيز مثلين لقضيتين كثر الجدال فيهما من قبل أهل الباطل، مبينًا تعالى ذكره كيفية مكر هؤلاء الشياطين وأوليائهم في تتبع دقائق الأمور ولطائفها، والدخول على الناس من أبواب الهوى والضعف في العقول، ونذكر هنا هذين المثلين ليتبين مدى مكر الشيطان، ومدى خطورة الجدل:

المثل الأول:

وقد ذكره الله تعالى في سورة الأنعام في سياق الحديث عما أحل الله لنا من النَّعَم وما حرم يقول تعالى: {وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [4] وقد ذكر السيوطي في سبب نزول هذه الآية ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه حيث قال:"أتى ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين - إلى قوله تعالى - وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) [5] ."

وأخرج أبو داود والحاكم وغيرهما عن ابن عباس في قوله (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) قالوا: ما ذبح الله لا تأكلون، وما ذبحتم أنتم تأكلون؟ فأنزل الله هذه الآية" [6] وقد ذكر الطبري قصة شبيهة بما نقل السيوطي ولكنه بيَّن فيها مَن هم أولاء الذين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن أوحى لهم بمثل هذا الجدل"فقد أخرج الطبري بسنده عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية بتحريم الميتة، قال: أوحت فارس إلى أوليائها من قريش أن خاصموا محمدًا - وكانت أولياؤهم في الجاهلية - قالوا له: إن ما ذبحت فهو حلال، وما ذبح الله - قال ابن عباس: بشمشار [7] من ذهب - فهو حرام فأنزل الله هذه الآية (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) قال: الشياطين: فارس، وأولياؤهم: قريش ... ومن طريق آخر عن عكرمة ... وكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ... وعن عبد الله بن كثير قال: سمعت أن الشياطين يوحون إلى أهل الشرك يأمرونهم أن يقولوا: ما الذي يموت والذي تذبحون إلا سواء! يأمرونهم أن يخاصموا بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم ... وعن ابن عباس قال: لما حرّم الله الميتة أمر الشيطان أولياءه، فقال لهم ما قتل الله لكم خير مما تذبحون أنتم بسكاكينكم، فقال الله {وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [8] فمجمل الروايات التي ساقها الطبري تبين هذه الأكذوبة والجدل الدنيء الذي اتبعه الشيطان وأولياؤه في التلبيس على المؤمنين، والناظر في هذا الجدل الذي ساقه المجرمون، وفي تلك الحجج الواهية في الاعتراض على تحريم الميتة، ليدرك تمامًا ميراث الشياطين عن أبيهم إبليس -

(1) - سورة الأنعام، الآية 121

(2) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - سنن أبي داود - كتاب السنة - باب: النهي عن الجدال في القرآن - ص 1561 - ح 4603، ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير - ج 2 - ح 6687.

(3) - المرجع السابق - كتاب الأدب - باب: حسن الخلق - ص 1576 - ح 4800، ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير - ج 1 - ح 1464.

(4) - سورة الأنعام، الآية 121.

(5) - سورة الأنعام، الآيات 118 - 121.

(6) - لباب النقول في أسباب النزول - للسيوطي - ص 124.

(7) - لم أقف على هذه الكلمة في معاجم اللغة العربية، والظاهر أنها أعجمية، ويبدو من سياق النص أنها تعني أداة الذبح من سكين ومنشار وغيره.

(8) - جامع البيان - للطبري - م 5 - ج 8 - ص 26، 27، 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت