فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 285

أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [1] "فعن ابن عباس أن الطاغوت: رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب" [2] ، وقد أخرج الطبري في سبب نزول هذه الآية عن عامر قال:"كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فنزلت فيه هذه الآية" [3] .

ونلاحظ هنا ارتباط هذه الغاية الشيطانية بشكل واضح بفئتين معينتين من الناس هما اليهود والمنافقون، وهاتان الفئتان، كما قدمنا قبل، هما من أولياء الشيطان الذين يستعملهم لإغواء البشر، فهما في مقدِم الخلق أجمعين سعيًا إلى تحقيق هذه الغاية الخبيثة، التي تفتت البشر وتنقلهم من الحاكمية المطلقة لله إلى حاكمية الهوى والشيطان، يقول صاحب الظلال:"هؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله - الطاغوت - قد يكونون جماعة من المنافقين كما صرح بوصفهم في الآية الثانية من هذه المجموعة، وقد يكونون جماعة من اليهود الذين كانوا يُدعون - حين تجِدُّ لهم أقضية مع بعضهم البعض أو أهل المدينة - إلى التحاكم إلى كتاب الله فيها ... أو إلى التوراة أحيانًا، أو إلى حكم الرسول أحيانًا - كما وقع في بعض الأقضية - فيرفضون ويتحاكمون إلى العرف الجاهلي الذي كان سائدًا" [4] ، وقد فصلت سورة المائدة بإسهاب في هذه السجية الشيطانية لليهود، وبكّتتهم على نكوصهم عن حكم الله وتسارعهم إلى التحاكم إلى رهبانهم وأحبارهم الذين حرفوا التوراة وأدخلوا فيها أهواءهم، فهذه الآية تربط هذه الغاية بهم، ثم يأتي تفصيلها هناك في المائدة {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [5] .

واقع العالم اليوم في ظل هذه الغاية:

لقد انتشرت هذه الغاية في جنبات عالمنا اليوم انتشار النار في الهشيم، فلم تترك قارة، ولا شعبًا، ولا دولة إلا ودخلت في مجالس الحكم فيها، وتسللت إلى قمة الهرم منها، ولقد غابت معالم حكم شرع الله الحق عن أكثر أهل الأرض وأفلح اليهود في نشر التحاكم إلى الطاغوت في كل الأرجاء، حتى أصبح دورهم الرئيس فيه وكأنه قد اختفى، ولكننا بعودنا إلى آيات الله ندرك أن هذه الجريمة، مهما انتشرت، ومهما تلقفها الجهلاء، فهي ما خرجت في أي زمان أو مكان عنهم، أليسوا هم من وصفهم الله بأنهم عبدة الطاغوت: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [6] ، هؤلاء المجرمون الذين مرروا عبادتهم للشيطان إلى بقية الخلق عبر شياطينهم من الإنس فابتدعوا لهم من المذاهب الكاذبة ما لا عد له ولا حصر، وكان سبيلهم في ذلك نزع البشر من كل دين، سواء أكان دينًا صحيحًا أو محرفًا، حتى يجعلهم يتحاكمون إلى أهوائهم وإلى نفوسهم المريضة فيما يسمى بالماسونية [7] العالمية، فقد ورد في برتوكولات حكماء صهيون ما نصه:"حينما نمكن لأنفسنا فنكون سادة الأرض لن نبيح قيام أي دين غير ديننا، ـ أي الدين المعترف بوحدانية الله ـ الذي ارتبط حظنا"

(1) - سورة النساء، الآية 60.

(2) - جامع البيان - للطبري - م 4 - ج 5 - ص 204.

(3) - المرجع السابق - م 4 - ج 5 - ص 203.

(4) - في ظلال القرآن - لسيد قطب - ج 2 - ص 693.

(5) - سورة المائدة، الآية 50 ..

(6) - سورة المائدة، الآية 60. .

(7) - وتعني عند أصحابها: البنائون الأحرار، والبنائون الأحرار هم الذين بنوا هيكل سليمان وهي حركة يهودية قديمة أخذت شكلها الحديث على هيئة جمعية تأسست في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وضع أفكارها المسيحي المرتد وايز هاويت عام 1767، وترمي الماسونية إلى وضع خطة للسيطرة على العالم عن طريق فرض الإلحاد على البشر جميعًا، وهي تستقي أفكارها من تعاليم الحاخامات اليهود في التلمود ومن بروتوكولات حكماء صهيون - الاتجاهات الفكرية المعاصرة - على جريشة - ... ص 228 - 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت