المال هو عصب الحياة، به تقوم شؤونها، وتُعمَرُ أرجاءها، فهو قبل البنين عماد الدنيا وزينتها - إذا كان سببًا لا غاية - يقول تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... } [1] ، ولهذا السبب اتخذ إبليس وجنده المال غاية من غاياتهم، غاية يحوِّلوا بها هذا المال عن المسار الذي أراده له الله - عز وجل - فالله أراد للمال أن يكون سببًا في إقامة الحياة وإعمار الأرض، يُكسَبُ من حلال ويُنفَق في حلال، أما الشيطان فيريد للمال أن يكون غاية في هذه الحياة، يُكسَبُ من حرام، ويُنفَق في حرام، فيكون العبد في هذه الدنيا رهنًا للمال يجري وراءه، يضيِّع حياته لأجله، يطلبه بكل طريق حلَّ أم حرُم، فتنتشر الفوضى في المجتمع، ويبرز الحقد من القلوب، ويتصارع طلاّب الدنيا عليها، فيفشو الفساد والتعامل به، وخاصة التعاملات المالية المحرمة كأكل الربا، والسرقة، والرشوة، والغش، وغيرها، وقد توعد إبليس أعداءه في كل زمان ومكان بأن يشاركهم في هذه الأموال، وما مشاركة إبليس لهم فيها إلا دخول الشرِّ فيها، فتتحول عن الحلِّ إلى الحرمة، وعن الخير إلى الشرِّ، وعن الصلاح إلى الفساد، يقول تعالى مخاطبًا إبليس مطلقًا له العنان فيما أراد: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} [2] ،" (وشاركهم في الأموال) قال بعضهم:"هو أمرهم إياهم بإنفاق أموالهم في غير طاعة الله واكتسابهموها من غير حلِّها ... وعن مجاهد: التي أصابوها من غير حلّها ... وعن عطاء بن أبي رباح: الشرك في أموال الربا، وعن الحسن: قد والله شاركهم في أموالهم، وأعطاهم الله أموالًا فأنفقوها في طاعة الشيطان، في غير حق الله تبارك وتعالى اسمه، وهو قول قتادة، وعن الحسن غرَّرهم أن يكسبوها من خبيث، وينفقوها في حرام ... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك كل مال عُصِي اللهُ فيه: بإنفاق في حرام، واكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة
(1) - سورة الكهف، الآية 46.
(2) - سورة الإسراء، الآية 64.