الإيمان» وموقفه من الجهاد بالتحديد يؤكد أنه لم يكن «تحريريا» قط حين نفذ هجومه على الكلية العسكرية وإن كان انتماءه لحزب التحرير مألوفا لدى الباحثين فهو عند الإسلاميين غير مألوف. فهو باختصار ربما كان في حزب التحرير أو قريبا منه ومن مؤسسه لكنه لم يعد كذلك، والعارفون به، وهو اللاجئ من مدينة حيفا، يدركون أنه شخصية صارمة وذات ثقافة واسعة وعلى معرفة واضحة بالدين، وله خبرة سياسية وتنظيمية وعلاقات متشعبة ومتينة مع الجماعات الإسلامية ورموزها في مصر ابتداء من حسن الهضيبي وزينب الغزالي وصافيناز كاظم وغيرهم. وكان ذو نشاط دؤوب لم يتوقف إلا بإعدامه. ويصفه بعض الإسلاميين بأنه كان رجل عصره. وشخصية كهذه من المستبعد أن يتسع لها تنظيم أو جماعة ومن المستبعد، أيضا، أن تنحصر طموحاتها في حزب وإلا لما كانت هناك حاجة للانفتاح على جميع القوى الإسلامية. ولكن بخلاف التراث المعرفي الضخم الذي خلفته جماعة «التكفير والهجرة» فلم يترك «سرية» شهودا على أطروحاته وخبراته سوى وثيقة واحدة بعنوان «رسالة الإيمان» كتبها سنة 1973 [1] بينما كان يؤسس تنظيمه ويضع له الخطط. وتعد الرسالة الأساس الأيديولوجي لكل الحركات الجهادية لاسيما أن تنظيم الكلية الفنية العسكرية هو الأول الذي ينادي بالجهاد كوسيلة لإقامة الدولة الإسلامية [2] والأول الذي يترجم أطروحاته عمليا. فما هي جواهر الأسس النظرية لرسالة الإيمان؟
تشخص «الرسالة» إشكاليتين إحداهما قديمة والأخرى معاصرة تركتا آثارا بالغة على فعالية الأمة الإسلامية منذ بداية الدعوة المحمدية وحتى الآن. ففي المجتمع الإسلامي الأول كانت الأمة تنقسم إلى شريحتين في العهد المكي هما المسلمون بلا أية شوائب دينية تعكر صفو الإيمان الفردي أو الجماعي، والكافرون بما يشتملونه من مشركين أو أهل كتاب ووثنيين وملحدين. ولقلة هؤلاء الأخيرين فلم يعرهم الإسلام اهتماما. وفي العهد المدني انضمت إلى الشريحتين أعلاه شريحة المنافقين الذين تظاهروا في الإسلام وأبطنوا الكفر. وحتى هذه الشريحة جرى التعرف إليها من خلال الوحي. لذا فلم يعانِ المجتمع الإسلامي من مشكلة إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور طلائع الفرق الإسلامية كالخوارج الذين خرجوا على قبول الإمام علي بن أبي طالب للتحكيم وشرعوا في تكفير الصحابة بالجملة وخاضوا نقاشات في مسائل العقيدة ولم يسلموا ببساطة بأقوال الصحابة، وكالشيعة وعقائدهم وما تحمله من انحياز سافر للإمام علي على حساب الخلفاء الراشدين ومن ثم على حساب الدين ذاته. ومع دخول الملل والنحل في الإسلام بفعل الفتوحات الإسلامية وازدهار الحضارة الإسلامية وتبلور مخرجاتها العقدية في العصر العباسي بدأ التعمق في مسائل العقيدة انطلاقا من ثلاثة عوامل تحددها «الرسالة» وهي:
1.«الترف العقلي: الذي بدأ يتوسع ويتعمق في فهم الكتاب والسنة مستفيدا من اتساع حركة الترجمة ودخول الفلسفات المختلفة من يونانية وهندية وفارسية إلى اللغة العربية والتوسع في دراسة الأديان المقارنة مما فتح كثيرا من القضايا التي كان يمر عليها الصحابة مرور الإيمان والتسليم دون تعمق ولا تقطع.
2.دخول الزنادقة في المعركة كالمجوس وغيرهم ممن أظهروا الإسلام لعجزهم عن محاربته فدخلوه لهدمه من الداخل عن طريق تشكيك المسلمين بالدين وإثارة الشبهات حول العقيدة الإسلامية.
(1) النبي المسلح.- الرافضون (1) - الوثيقة الأولى: رسالة الإيمان (1973) - مرجع سابق.
(2) الكيلاني (موسى زيد) .- الحركات الإسلامية في الأردن وفلسطين - مؤسسة الرسالة، دار البشير - عمان، الأردن - الطبعة الثانية، 1995 - ص 212.