فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 413

3.تبلور المذاهب السياسية التي نشأت في نهاية الخلافة الراشدة ونمت زمن الدولة الأموية وهي (السنة - الشيعة - الخوارج) بحيث تميزت وأصبح لكل منها قواعده الخاصة ورجاله وطرق نقله» [1] .

ولقد أدى تضخم المجتمع الإسلامي والتعمق في مسائل العقيدة إلى افتراق القول عن العمل والدين عن الدنيا والمجتمع عن الدولة. وقلَّت أهمية العمل وارتفعت قيمة القول حتى وصل الأمر أن العلم الذي وضعه العلماء للعقيدة سمي (علم الكلام) . ومع ذلك فإن هذه الإشكالية وما أثارته، في حينه، من قضايا لم يعد لها وجود اليوم ولا تشكل خطرا كبيرا على المسلمين. فالخطر ينبع مما تسميه «الرسالة» بـ «الردة الجماعية» . وحسب واضع الرسالة فهي «أول رسالة من نوعها في تشخيص الكفر الذي وقع فيه المسلمون عن علم أو عن جهل بسبب الظروف الجديدة التي وقعوا فيها. ودراستها ... أهم ألف مرة من دراسة قضايا العقيدة التي كتبت في الماضي» .

وقبل أن تعاين الرسالة الكفر وتبين قواعده في المجتمعات العربية والإسلامية في ضوء المشكلة المعاصرة «الردة الجماعية» يحدد «سرية» في وثيقته الأساس المنهجي الذي تقوم عليه المعاينة برمتها والذي يسمح بتكفير الدولة وتجهيل المجتمع باعتبارهما كينونتان عامتان. وهذا يعني أن التكفير ينسحب على الجماعة وليس على الفرد، كما أنه ينسحب على الفرد بشروط معينة تخل صراحة أو ضمنا بالأساس المنهجي طبقا لما يسمى بالعلوم الشرعية بنواقض الإيمان. فمن أين البداية؟

تبدأ المسألة من هوية الوثيقة باعتبارها رسالة «إيمان» . والتسمية ذات مغزى فريد تؤسَّس فيه تشخيصات «الكفر» في المجتمعات العربية والإسلامية وبيان قواعده وأحكامه بناء على المعنى الذي يبوح فيه كل من مفهومي «العقيدة» و «الإيمان» . وعليه فإن المؤلف يميل إلى المفاضلة بين المفهومين، ويلجأ إلى استعمال مفهوم الإيمان الذي خلَّفته الدعوة النبوية ونادت بالإسلام قولا وعملا. أما مفهوم العقيدة فهو مستحدث، واستعمالاته آلت إلى مساوئ أكثر من منافع. فالعقيدة هي التصديق، وهذا المعنى لا يكفي لاعتبار الفرد مسلما لأن هرقل عظيم الروم - مثلا - صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يعمل بها. وعبر قرون طويلة استقرت العقيدة على إقرار القول، وتبعا لذلك فقد استُعيض عن العمل بـ «التقديس» [2] الذي مورس فرديا وجماعيا في صور شتى، ابتدأت بتقديس الزوايا والأضرحة وبناء المساجد على القبور والْتماس البركات مرورا بالطرب عند سماع القرآن أو قراءته وانتهاء بتعظيم الحاكم وخلع العصمة عليه، وتأثرا بنتائج المشكلة الأولى انصب الفكر العربي المعاصر كله على القول حتى أن الإسلام لم يعد له أي محتوى سوى التعبير عن هوية فرد أو جماعة أو مؤسسة.

وفي الحقيقة فإن الدكتور سرية الذي لا يميل إلى استخدام مفهوم العقيدة يسجل في الواقع قطيعة مطلقة معه وانحيازا بالقدر ذاته إلى مفهوم الإيمان حيث يفرد صفحات طويلة من رسالته لإيجاد الرابط الفعلي لكل ركن من

(1) في هذا السياق يمكن الاستفادة بشكل كبير من ثلاثية"العقل العربي"لـ: الجابري (محمد عابد) . - تكوين العقل العربي (نقد العقل العربي) / 1 - المركز الثقافي العربي - بيروت، لبنان - الطبعة الرابعة، أيلول/ سبتمبر 1991.

(2) ميتشل (ريتشارد) .- الإخوان المسلمون - مرجع سابق - ص391.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت