أركان الإسلام القائمة على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. ويقرر أنه لا إيمان إذا لم يقترن القول بالعمل. وعليه فإن حصر الدين في العبادة على النمط الكنيسي وفصله عن التشريع والمعاملات، وفي أحسن الأحوال اعتباره شريكا مع المصادر الأوروبية الغربية (الرأسمالية) والشرقية (الاشتراكية) والعربية المصطنعة (القومية والوطنية) ؛ وكل الفلسفات والمناهج والعقائد وما يتمخض عنها من أحزاب ونواد ومظاهر تغريبية مادية وثقافية تعد كفرا وردة جماعية. وتأسيسا على ذلك فالحكم القائم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كافر والمجتمعات فيها كلها مجتمعات جاهلية. ولكن من حيث الخصوصيات فالتكفير في الدولة ينسحب على كل القوانين المخالفة للإسلام، وكل الممارسات والسلوكيات الخارجة عن الإسلام. وعليه فإن التشريع جائز في القضايا المستجدة قاطبة إذا لم تتخارج مع الإيمان. أما على مستوى الأفراد فليس بكافر إلا من يوالي أنظمة الحكم ويعتبرها إسلامية ويؤيد إجراءاتها وسياساتها الباطلة أو الموجهة ضد الجماعات الإسلامية أو أولئك الأفراد الذين يجاهرون باعتبار الإسلام باطلا أو رجعيا أو يحرّفون الإسلام. وتجيز «الرسالة» للمسلم العمل في مؤسسات الدولة ابتداءً من أصغر وظيفة حتى رئاسة الدولة بشرط أن يكرس الفرد نفسه من أجل التغيير ومساعدة إخوانه على إقامة الدولة الإسلامية. أي إخلاص النية بحيث يكون الولاء والبراء لله وحده.
ما هو الموقف من الجهاد؟
لا شك أن «رسالة الإيمان» وُضعت لحسم اللامبالاة والتردد والخوف لدى الفرد والجماعة المسلمة تجاه مسألة العمل. لذلك يمكن فهم الجهاد عند «سرية» في ضوء تشخيصه لركن «القضاء والقدر» باعتباره الركن الاختياري الذي يمكِّن من تشخيص الكفر لدى الفرد العادي وبدرجة أولى لدى المتدين لاختبار جدية الإيمان لديه. ولعل ما تقرره «الرسالة» بهذا الخصوص ما يشير إلى رد لا لبس فيه تجاه الجماعات الإسلامية والمتدينين ممن يوصفون، في العادة، بالجماعات التقليدية التي تتجنب ممارسة فريضة الجهاد أو الحث عليها متخذة من دعاواها الأيديولوجية مبررا للتأجيل فتقتصر المسلكية الإيمانية لدى هؤلاء على «الاعتقاد» بالجهاد كحديث النفس إلى ذاتها حتى لا تموت ميتة جاهلية. وعند التفتيش عن الممارسة الجهادية، طبقا لهذا المعنى، يلاحظ أن الجهاد ظل معلقا أو مجمدا أو حتى معطلا في المحصلة، وهذه النتيجة ناجمة إما عن الخوف من الموت وإما خشية التعرض للضغوط والمضايقات من قبل الدولة وهو ما يناقض الإيمان بالقضاء والقدر الأمر الذي يؤدي إلى اعتبار معظم المتدينين اليوم كافرون عمليا به. «إذ لو كانوا يؤمنون به حقا لشمروا عن ساعد الجد لتغيير المنكر غير مبالين بالسجن وقطع الأرزاق لأنه لا أحد يستطيع أن يضرهم بما لم يكتب عليهم بل ولم يبالوا بالإعدام لأنه {لن تموت نفس إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} [1] . والذي يتردد في ذلك كافر بالقدر مهما فلسف القضية وحاول بالحجج المنطقية الفارغة «وإلا بماذا يفسرون قوله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} » [2] أو إيمان الصدر الأول من المسلمين الذين
(1) قرآن كريم.- سورة آل عمران، آية 45.
(2) نفس المصدر.- سورة التوبة، آية 51.