فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 413

المسألة الثانية: مشروعية الجهاد

إن أركان الإسلام خمسة، وهي الشهادتان، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، الصوم وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وبهذا التحديد لا يبدو الجهاد واحدا منها، وتبعا لذلك فقد أثيرت من حوله الشبهات قديما وحديثا حتى باتت الفرق والجماعات الإسلامية تكيف محتواه طبقا لفهمها له وخدمة لاستراتيجياتها السياسية. لذا اضطلعت «الفريضة الغائبة» بمهمة تفعيل الفريضة وإحيائها من خلال بيان أحكامها في القرآن والسنة من جهة والرد على الدعاوى المخالفة أو المثيرة للشبهات من جهة أخرى. لذا فإن ما يصبح ميدانا مشروعا للرد هو كل الأطروحات التي تتجنب الجهاد وتفسر آيات القتال والتحريض عليه في القرآن بحصرها زمنيا بفئة معينة في حين أن الإسلام يوجه خطابه إلى المؤمنين بجعل القتال (بمعنى الجهاد) فريضة {كتب عليكم القتال} (سورة البقرة، الآية216) مثل فريضة الصوم {كتب عليكم الصيام} (سورة البقرة، الآية183) . بيد أن البعض استعمل بعض الآيات المنسوخة حجة على المؤمنين لمسالمة الكفار والعفو عنهم أو الإعراض والصبر على أذاهم في حين لم يقل بذلك إلا «السيوطي» في كتاب «الاتفاق» لما اعتبر الآية {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} (سورة البقرة - الآية109) ورأى فيها حكما منسوخا لأنه مؤجل بأجل [1] . وهذا يعني تعطيل فريضة الجهاد، عمليا، إلى أجل غير محدد. وهنا تستحضر الوثيقة الرد انطلاقا من سورة التوبة. فقد افتُتحت السورة بلا بسملة وبآية براءة: «براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين» ، ثم يقول العوفي ابن عباس في هذه الآية أنه منذ نزولها «لم يعد لأحد من المشركين عهد ولا ذمة» . وبعيد «براءة» بقليل جاءت أشهر آية في القتال والتي أجمع أغلب المفسرين على تسميتها بـ «آية السيف» لتنسخ 114 آية سابقة في 54 سورة، وفي موضع آخر في 48 سورة، فيما يتعلق بالإعراض عن قتال المشركين. بل أن الحسين بن فضل يقول فيها أنها نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى المشركين. إذ تقرر الآية الخامسة من سورة التوبة أنه «إذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد» . وتتساءل الوثيقة كيف يمكن الاستدلال بالآيات المنسوخة على ترك الجهاد؟ وأكثر من ذلك فحتى آية السيف نُسخت بآية أشد منها على المشركين {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} (سورة محمد، الآية4) . وفي موضعين آخرين خاطب النص القرآني المؤمنين إما بالإعداد للقتال {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} (سورة الأنفال، الآية60) ، أو في التحذير من تركه {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا} (سورة التوبة، الآية39) . والآن علينا أن نتساءل، هل فُرض الجهاد على المسلمين دون غيرهم من الأمم السابقة؟

يتبين من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجهاد عبادة كسائر العبادات لا تتوقف حتى لو بلغت الدولة الإسلامية أوجها. وعلى المستوى الفردي، فهو «ماض إلى يوم القيامة» ، و «من لم يغز أو لم تحدثه نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية» . أما على المستوى الجماعي فـ «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد في سبيل الله وأخذوا أذناب البقر أنزل الله عليهم من السماء بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم» . وسواء كان فرض عين أو فرض كفاية يظل

(1) ثمة رد على"الفريضة الغائبة"من قبل مفتي مصر الراحل جاد الحق علي جاد الحق. وفيه يتمسك بتفسير السيوطي. راجع وثيقة الرد في: أحمد (رفعت سيد) . - تنظيمات الغضب الإسلامي ... - مرجع سابق / ص 170 - 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت