الجهاد «ذروة سنام الإسلام» وهنا جوهر مسألة الجهاد في الإسلام. كيف؟ ربما يصعب الحسم فيما إذا كان الجهاد قد فُرض على الأقوام السابقة. فالصيام مثلا فُرض سابقا بيد أن الجهاد لم يُفرض بذات الصيغة. فالنص القرآني يقول: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (سورة البقرة، الآية183) . وعن الجهاد قال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} (سورة البقرة، الآية 216) . ففي نفس السورة استعملت نفس الصيغة في الفرض ولكن في آية الصيام ظهرت المساواة التامة مع الأقوام السابقة أما في الآية الثانية فقد تلا صيغة الفرض «الكره» ، وقد يعني هذا أمرين: إما أن أمة المسلمين اختصها الله دون غيرها بالقتال أو أن الأمم السابقة أُمرت بالقتال ولكن دون المسلمين. أي في بعض الوقائع والأحداث.
هكذا تقرر «الفريضة الغائبة» أن أمة الإسلام تختلف عن الأمم الأخرى في أمر القتال. ففي الأمم السابقة كان العقاب الرباني، فالله «ينزل عذابه على الكفار وأعداء دينه بالسنن الكونية كالخسف والغرق والصيحة والريح ... وهذا الوضع يختلف قليلا مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم» . أما وجه الاختلاف فيقع في إسناد قتال المشركين إلى المسلمين أولا، ومن ثم يأتي التدخل الإلهي بقدر الطاعة لأوامره واجتناب نواهيه {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} (سورة التوبة، الآية14) . فقتال المشركين هو عذاب لهم وخزي. أما إذا قاتل المؤمنون المشركين وواجهوا صعوبة في الانتصار عليهم فالتدخل الإلهي محتوم {ولينصرن الله من ينصره} (سورة الحج، الآية40) وكذلك {إن تنصروا الله ينصركم} (سورة محمد، الآية7) . وقد ثبت هذا في غزوة الأحزاب لما بعث الله العاصفة على المشركين. لهذا جُعِل أجر المجاهد في الإسلام عظيما. وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «للشهيد عند الله ست خصال، يُغفر له من أول دفقة دم، ويُرى مقعده من الجنة ويُجار من عذاب القبر ويأمن الفزع الأكبر ويُحلّى حِلية الإيمان ويزوج من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه» .
هكذا فإن الجهاد عبادة وفريضة كفاية في مقاتلة المشركين بشرط تبليغ الدعوة أولا وفريضة عين إذا احتلت أجزاء من دار الإسلام صغُرت أم كبُرت بحيث «يخرج الولد دون إذن أبيه والمرأة دون إذن زوجها والمرء دون إذن وليه» . أما إذا كان الحكم في دار الإسلام بغير ما أنزل الله فقد وجب القتال. ذلك أن الدين هو الطاعة، وكما يقول ابن تيمية: «فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله» عملا بالأمر الإلهي {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (سورة الأنفال، الآية29) ، وهذا الحكم لم يخالفه فيه أحد، ويقول ابن تيمية بهذا الصدد: «أجمع علماء الأمة على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله. فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضة أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها والتي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء» .
ردّ «الفريضة الغائبة» على الأطروحات المغايرة