أما المقطع الثاني من القصة القصيرة جدا، فيتمثل في جملة"فلما رآه"، وهي جملة فعلية مركبة مع الجملة الثانية:"بصق على الأرض"، وهي مسبوقة بلما التي تقتضي ترابط جملتين، تكون الأولى منها مبدوءة بالفعل الماضي، و تحمل"لما"هنا دلالات التسلسل والاتساق والربط الزمني. ومن ثم، فهذه الجملة المركبة تتكون من محمولين فعليين: رأى وبصق.
وإذا تأملنا جملة"فلما رآه"، فهي بمفردها جملة بسيطة تتكون من محمول فعلي: رآى، وفاعل في شكل ضمير غائب قد يكون شخصيا أو غير شخصي، بالإضافة إلى مفعول به مباشر يتمثل في الضمير المتصل"الهاء"، والعائد على موضوع من جنس المذكر. ومن هنا، تستحضر هذه الجملة القصصية الحدث (الرؤية) ، والعوامل: الذات والموضوع، والزمان (لما+ الماضي) . ويقترن هذا كله بتجذير الحضور في المكان والزمان معا.
أما إذا انتقلنا إلى دلالات كلمة"رأى"، فنجد اللكسيمات التالية: الرؤية- الرؤية بالعين- العلم- النظر بالعين والقلب- الرعي- الإخبار ... [1]
ويعني هذا أن كلمة رأى تدل على الرؤية البصرية الحسية بالعين والرؤية الوجدانية بالقلب، مع وجود العلم ودقة الاستخبار. ويعني هذا أن الرؤية أكثر اتساعا من النظر، لأن النظر مقصور على البصيرة السطحية الحسية الخارجية، بينما الرؤية ترتبط بالداخل (القلب) والخارج (العين) . وتستلزم الرؤية العلم، وتملك المعرفة والخبر في التعامل مع الآخر، والتواصل معه.
المطلب الرابع: المقطع الثالث
يتمثل المقطع الثالث في جملة:"بصق على الأرض".. !، وهذه الجملة بدورها جملة بسيطة ذات محمول فعلي واحد (بصق) ، متبوع بفاعل إنساني يتميز بالمقومات التالية:+ إنسان + حي+ مذكر+ متحرك + باصق+ غير متخلق. ومن المعلوم أن الثقافة الإسلامية تمنع المسلم من البصاق على الأرض. أما الموضوع المستقبل للبصق، فيكمن في الأرض، ويؤشر هذا الفعل التنفيذي للفاعل / الذات على السخط والغضب والكراهية والحقد والعدوان. ومن هنا، يتضح لنا، من خلال هذه القصة القصيرة جدا، أن الفاعل/
(1) - ابن منظور: لسان العرب، الجزء الخامس، دار صبح بيروت، لبنان، وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2006 م، ص:80 - 83.