لم تعد الصورة البلاغية مجرد حلية لفظية أو جمالية أو بديعية فحسب، بل أضحت مكونا حجاجيا ذا وظيفة حوارية وإقناعية وتأثيرية. وهكذا، يتحدث أرسطو عن الاستعارة باعتبارها محسنا بديعيا من جهة، ومقوما حجاجيا من جهة أخرى [1] . في حين، أدرج شايم بيرلمان (Chaim Perelman) الاستعارة ضمن الحجاج إلى جانب التشبيه والمقارنة، مادامت هذه الصور تهدف إلى استمالة المتلقي تأثيرا وإقناعا. أما الصور التي لاتهدف إلى الإقناع والتأثير، فهي محسنات بديعية ولفظية وجمالية ليس إلا. وهكذا، فقد طهر شايم بيرلمان البلاغة من المحسنات البديعية، واحتفظ على جانبها الحجاجي والإقناعي، مادام يظهر فيها الباث والمتلقي معا [2] . فبدءا من بيرلمان،"أصبح كل خطاب تندرج فيه شخصية الباث والمتلقي خطابا حجاجيا. وواضح أن الخطابات التي يمكن أن تستثنى من الحجاجية هي الخطابات العلمية التجريبية أو النظرية من قبيل الرياضيات والمنطق الصوري. بل إن الفلسفة نفسها التي لا تستقيم للخطابين الرياضي والتجريبي هي من قبيل الحجاج أو الخطابة الشيء الذي لم يكن ليتبادر إلى ذهن أرسطو. لقد كان البلاغيون التقليديون ينظرون إلى الاستعارة باعتبارها"«تغييرا سعيدا لدلالة كلمة أو عبارة." [3] "
وبناء على ماسبق، يمكن الحديث عن استعارات علمية من سماتها الإفهام، واستعارات شعرية قائمة على الغموض، واستعارات حجاجية هدفها الإقناع والتأثير، كما يبدو ذلك جليا في الاستعارات الإشهارية والدعائية.
وعليه، فالصورة البلاغية لاتهدف فقط إلى نقل العالم وتمثيله بيانيا، بل تهدف إلى الإقناع والتأثير، وخلق حوار تفاعلي مع المخاطب المتلقي. ومن هنا، فالحجاجيون"لا يسلمون بأن مهمة الخطاب تقوم على"
(1) - أرسطو: كتاب الخطابة، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة، بغداد، العراق، طبعة 1986 م، ص:155 - 156.
(3) - محمد الولي: (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان) ، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد: 61 ـ 2004، ص: 79.