فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 205

وصف العالم، وإنما تقوم على تحفيز المخاطب على سلوك ما. والواقع أن مجرد التفكير في تلقين المخاطب صورة ما، ولو كانت عاطفية، عن الأشياء، فإننا نكون بصدد الحجاج. ولأمر فإن بعض المحسنات البلاغية التي لا تلقى التكريم عند علماء الشعرية ينوه بها الحجاجيون. إن الاستعارة التي تدعى في البلاغة العربية استعارات غير مفيدة تلقى الترحيب عند بيرلمان ليس لجمالها، ولكن لفعاليتها الإقناعية: «حينما يكون اللفظ الاستعاري اللفظ الوحيد الذي يعبر به عن شيء في لغة ما يطلق عليه الاستعارة غير المفيدة {الكتاكريز} مثال ذلك:"قدم الجبل""ذراع الكرسي". وعلى الرغم من أن هذا الجنس من الاستعارة يبدو منحطا في رأي علماء بلاغة المحسنات، فإن بعضهم، مثل واتْلي تبعا لستيوارت وكوبْليسْتون، يعتبرونها أداة أرفع من الاستعارة الفعالة؛ وذلك لأنها قد فقدت الاتصال مع الفكرة البدئية التي كانت تحيل عليها بالوضع، تماما كما أن سْتيفنْسون يذهب إلى أن هذه الاستعارة، ونظرا إلى أنها لا تقبل إلا تأويلا واحدا، فإنها تقدم دليلا ما (Raison) وهذا على العكس مما يحدث بالنسبة إلى الاستعارة الفعالة التي هي موحية." [1] "

وإذا كان الفيلسوف الأمريكي تولمين (Toulmin) يرى بأن الحجاج يتعارض مع الشعر؛ نظرا لتعارض ماهو خيالي مع ماهو عقلي ومنطقي، فإن الشعر يمكن أن يتضمن صورا ذات وظيفة حجاجية وتأثيرية وإقناعية.

وإذا أخذنا، على سبيل المثال، هذه القصة الوجيزة التي تتضمن استعارة مكنية (يلبس القمر السواد حزنا) ، فإننا لانكتفي بالدلالة الصريحة الظاهرة التي تعبر عن الحزن والمأساة التي تنتج عن ظاهرة الخسوف الطبيعي. أما المنطوق الضمني، فيحمل بعدا حجاجيا يتمثل في إيصال المتكلمة إلى المتلقي رسالة وصفية لحالة نفسية حزينة قلقة؛ من جراء التغير المفاجئ الذي أصاب القمر، فحوله من حالة فرح إلى حالة حزن وكآبة. أي: هناك تبليغ من متكلمة منفعلة تستعمل استعارة حجاجية لتؤثر في المتلقي، وتثبت مدى حزنها، ونقمتها على الحالة التي آل إليها الوضع الذاتي والنفسي والشعوري؛ بسبب ما وقع على مستوى المنظور والمدرك والمتخيل.

(1) - محمد الولي: (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان) ، صص:79

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت