إذا تأملنا عنوان المجموعة (نزف من تحت الرمال) التي كتبها حسن بن علي البطران، فنجده يتكون من أربع مونيمات (كلمات) لفظية هي: نزف - من - تحت - الرمال، وقد صيغت في إطار الجملة الاسمية. ومن ثم، فكلمة (نزف) خبر لمبتدإ محذوف تقديره: هذه نزف. وبعد هذا الإسناد الاسمي، ننتقل إلى شبه الجملة التي يتحكم فيها حرف الجر (من) الذي يفيد الانطلاق والبداية. وبعدها، نلفي المركب الظرفي الذي يتكون من (تحت) والمضاف إليه (الرمال) . ويعني هذا أن العنوان يتألف تركيبيا من جملة الإسناد، وشبه الجملة، والمركب الظرفي، كما يتألف دلاليا من الحدث (نزف) ، والمكان (من - تحت) ، والمكون الشيئي (الرمال) . أما بلاغيا، فيتسم العنوان بشحنة الانزياح والخرق والترميز والإيحاء.
ونخلص من هذا كله إلى أن هذه القصص ماهي إلا معاناة إنسانية، وآلام متقدة نابعة من أعماق الأرض الصلدة، ورمالها الجافة المحترقة التي تؤشر على العذاب الإنساني، وتمزقه الوجودي، وذوبانه كينونيا. وتدل أيضا على مصيره السيزيفي العابث. ومن هنا، يصور الكاتب شروخ الإنسان السعودي، ويجسد مكابداته الذاتية والموضوعية، وخاصة في صراعه مع المحيط الواقعي المحبط المهترئ الذي يفتقد القيم الإنسانية الأصيلة.
ينطلق الكاتب، إذًا، من رؤية سوداوية حزينة إلى العالم قوامها: الترنح والتألم من شدة الاحتراق والاكتواء المكاني. أي: يعاني الكاتب من الاغتراب الذاتي والمكاني، في فضاء جاف مترهل، وعالم قاحل ذبلت فيه القيم الإنسانية، وماتت فيه العواطف البشرية.
المطلب الثالث: عتبة التجنيس
تندرج هذه المجموعة الإبداعية ضمن القصة القصيرة جدا التي تعتمد على إجاعة اللفظ، وإشباع المعنى. ويعني هذا أن القصة القصيرة تقتصد في الألفاظ، وتوسع في المعاني. لذا، يلاحظ القارئ المتمرس أن هذا الجنس الأدبي يتسم بقصر الحجم، وقلة الأسطر، وتكثيف الرؤية، والتقليص من عدد الألفاظ والكلمات والعبارات من أجل تمطيط المعاني، وخلق الإيحاءات الدلالية، وتوسيعها عبر الإحالات الرمزية والكنائية والمرجعية.