فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 654

لا تلبث أن تتعاظم في حجمها بسبب التطوير المستمر لهذه الأحداث، واستثمار كل نجاح من أجل التمهيد لنجاح آخر. وبما أن المجال هنا متعلق بمعركة محددة، هي معركة عين جالوت، فإن الأهمية فيها لا تكمن في النجاح الرائع الذي أمكن إحرازه فوق أرض المعركة بقدر ما يتعلق باستثمار نتائج النصر التطوير الأعمال القتالية لإحراز مزيد من الانتصارات.

وعند هذه النقطة تكمن مفارقة مذهلة، فقد كان قائد المعركة وبطلها هو المظفر قطز»، إلا أن هذا القائد لم يعمر طويلا ليستثمر انتصاره، ومات غيلة على يد أحد قادته «بيبرس البندقداري، الذي لم يلبث أن أصبح حاكمة، فعمل على استثمار الظفر، وتطوير الأعمال القتالية طوال الفترة اللاحقة. وهكذا تظهر صعوبة إسناد النصر في العملية بمجموعها للمظفر قطز، أو للظافر بيبرس، ولعل ذلك هو السبب في إغفال اسميهما معا، وإبراز اسم عين جالوت، وحدها، وكأنها معركة مجهولة النسبة، مجهولة الأبوة، بعكس ما كانت عليه معركة «حظين» التي اكتسبت أبؤتها بحكم قيادتها واستثمار نتائجها وتطويرها على يد قائدها الأول «صلاح الدين.

تلك نقطة، وهناك نقطة أخرى لا يمكن تجاوزها أيضا، وهي أن معركة عين جالوت، لم تكن حدثة طارئة، وإنما كانت حلقة في مجموعة الحرب طويلة الأمد التي جابهتها أمتنا العربية الإسلامية أيام الحروب الصليبية، ومن هنا تظهر صعوبة فصلها كحدث مستقل، وتقديمها کنسيج متكامل، ومن هنا، فإن المعركة لا تكتسب أهميتها إلا من خلال عرض الوقائع الرئيسية الممهدة لها. وإذا كانت معركة حطينا ترتبط ببداية الحروب الصليبية، فإن معركة عين جالوت» ترتبط بنتائج معركة حطين»، ومن هنا تظهر ضرورة التركيز على عرض مجموعة الأحداث التي بدأت بيوم احطين، وانتهت بيوم عين جالوت». وقد يكون من المحال اختصار كل الأحداث التاريخية خلال هذه الحقبة الزمنية المتطاولة في مدتها والغنية بوقائعها، ولهذا فقد يكون من الضروري الوقوف عند أبرز معالمها والانتقال فوق أشهر قممها، وعلاوة على ذلك، فقد كانت مجموعة الأحداث خلال تلك الحقبة التاريخية، شديدة التشابك والتعقيد إلى درجة مذهلة، وهذا ما يفرض إجراء عملية عزل المواقف مراكز القوى المتصارعة، قدر المستطاع، من خلال عرض الموقف العام والموقف الخاص لما سبق المعركة من أحداث متصلة بها ومرتبطة فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت