بالله ياعم إن ردك الله سالمًا فتحمل ثيابي هذه المضمخة بالدم لوالدتي المسكينه الثكلى الحزينه، وتسلمها إليها لتعلم اني لم اضيع وصيتها ولم اجبن عند لقاء العدو واقرأ مني السلام عليها وقل لها: إن الله تعالى قد قبل الهدية التي أهديتها، ولي ياعم اخت صغيره لها من العمر عشر سنين كانت كلما دخلت استقبلتني تسلم علي وإذا خرجت تكون آخر من يودعني، وانها ودعتني عند مخرجي هذا وقالت لي بالله يا اخي لاتبط عنا فإذا رأيتها فأقرها مني السلام، وقل لها يقول لك اخوك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامه ثم تبسم وقال: أشهد ان لا إله إلا الله وحده لاشريك له صدق وعده وأشهد ان محمدًا عبده ورسوله، هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله و رسوله ثم خرجت روحه وعجل الله تعالى بها الى الجنه رحمة الله تعالى عليه [فكفناه في ثيابة وواريناه رضي الله عنه] [1] ، قال
ابو قدامه: فلما رجعنا من غزوتنا تلك ودخلنا الرقة لم يكن لي همة إلا دار أم الغلام فإذا جارية تشبه الغلام في حسنه وجماله وهي قائمة بالباب، وكل من مر بها تقول ياعم من اين جئت فيقول من الغزاة، فتقول: اما رجع معكم اخي فيقولون لانعرفه فلما سمعتها تقدمت إليها فقالت: ياعم من اين جئت فقلت من الغزو، قالت: اما رجع معكم اخي ثم بكت وقالت: مابالي أرى الناس يرجعون واخي لم يرجع، فغلبتني العبره ثم تجلدت خشية على الجاريه ثم قلت لها: ياجاريه قولي لصاحبة المنزل كلمي أبا قدامه فإنه على الباب، فسمعت المرأة كلامي فخرجت إلي وقد تغير لونها فسلمت علي فرددت السلام، فقالت: امبشرًا جئت يا اباقدامه ام معزيًا فقلت بيني لي البشارة من التعزيه، قالت: إن كان ولدي رجع سالمًا فأنت معزٍ وإن كان قتل في سبيل الله فأنت مبشر، فقلت: ابشري فقد قبل الله هديتك فبكت وقالت: قبلها، قلت نعم فقالت: الحمدلله الذي جعله ذخيرة لي يوم القيامه، قلت: فمافعلت الجاريه اخت الغلام؟ قالت: هي التي كانت تكلمك الساعه فتقدمت إلي، فقلت لها: إن أخاك يسلم عليك ويقول لك: الله خليفتي عليك إلى يوم القيامه، فصرخت صرخة وخرت على وجهها مغشيًا عليها، فحركتها بعد ساعةٍ فإذا هي ميتة فتعجبت من ذلك، ثم سلمت ثياب الغلام التي كانت معي لامه وودعتها وانصرفت حزينًا على الغلام والجاريه متعجبًا من صبر امها.
قال المؤلف عفى الله عنه:
(1) 1 زياده من م.